وجمع علوم العرب وأشعارهم وعامّة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهليّة ، وعنه أخذ أبو زيد الأنصاري وأبو عبيدة والأصمعي وأكثر نحاة ذلك العصر ، وتقدّم في عمرو بن عبيد ما جرى بينهما في الوعد والوعيد .
وحكي عنه قال : قرأت
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي »
« 1 » فاخترت تحريك الياء هاهنا لأنّ السكون ضرب من الوقف فلو سكنت الياء كنت كالذي ابتدأ وقال :
« لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي »
، فاخترت تحريك الياء هربا من ضرر الوقف ، وهذا من أبي عمرو في غاية الدقّة والنظر في المعاني اللطيفة .
وحكي أيضا انّه قال : طلب الحجّاج أبي ، فهرب أبي منه إلى اليمن وكنت معه فبينا نحن نسير يوما في صحراء اليمن إذ لحق بنا رجل وأنشد :
اصبر النّفس عند كلّ مهمّ * انّ في الصّبر حيلة المحتال
لا تضيقنّ بالأمور فقد * تكشف غمّاؤها بغير احتيال
ربّما تجزع النفوس من الأمر * له فرجة « 2 » كحلّ العقال
فسأله أبي : ما الخبر ؟ قال : مات الحجّاج ، قال أبو عمرو : قد كنت اخترت في قوله تعالى
« إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً »
« 3 » فتح الغين وكنت في طلب شاهد لذلك فلمّا أنشد الرجل شعره سمعته يقول ( له فرجة ) بفتح الفاء فسسرت من ذلك أزيد من سروري بموت الحجّاج . وينقل من تقواه انّه كان لمّا يدخل شهر رمضان لا يقرأ شعرا ولا ينشد بيتا حتّى يذهب الشهر ، مات سنة ( 154 ) ودفن بالكوفة .
عمر بن أبي سلمة
ابن أمّ سلمة ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن رجال علي عليه السّلام ولّاه البحرين ، قال
هامش
( 1 ) سورة يس / الآية 22 .
( 2 ) الفرجة مثلّثة : التفصّي من الهمّ . ( القاموس ) .
( 3 ) سورة البقرة / الآية 249 .