تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعدّ القرى ليومه النازل به فقرّب على نفسه البعيد وهوّن الشديد ، نظر فأبصر وذكر فاستكثر وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلا وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشهوات وتخلّى من الهموم الّا همّا واحدا انفرد به فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه وسلك سبيله وعرف مناره وقطع غماره واستمسك من العرى بأوثقها ومن الحبال بأمتنها فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه وتصيير كلّ فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات كشّاف عشوات مفتاح مبهمات دفاع معضلات دليل فلوات ، يقول فيفهم ويسكت فيسلم ، قد أخلص للّه فاستخلصه فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحقّ ويعمل به ، لا يدع للخير غاية الّا أمّها ولا مظنّة الّا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه يحلّ حيث حلّ ثقله وينزل حيث كان منزله ، وآخر قد تسمّى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلّال ونصب للناس أشراكا من حبال غرور وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحقّ على أهوائه ، يؤمن من العظايم ويهوّن كبير الجرايم ، يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع ، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع ، فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصدّ عنه فذلك ميّت الأحياء ، فأين تذهبون وأنّى تؤفكون والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة . . . إلى آخر الخطبة . بيان : فاستشعر الحزن أي جعله شعارا له ، وتجلبب الخوف أي جعله جلبابا وهو ثوب يشمل البدن ، فزهر أي أضاء ، والقرى الضيافة ، فقرّب على نفسه البعيد أي مثّل الموت بين عينيه ، وهوّن الشديد أي الموت ورضي به واستعدّ له أو المراد