تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
قال بعض الأفاضل : حقّ المترشّح لتعلّم الحقايق أن يراعي ثلاثة أحوال : الأوّل أن يطهّر نفسه من رديء الأخلاق تطهّر الأرض للبذر من خبائث النبات فالطاهر لا يسكن الّا بيتا طاهرا و : انّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب . والثاني أن يقلّل من الأشغال الدنيويّة ليتوفّر فراغه على العلوم الحقيقيّة ، قال اللّه تعالى :
« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »
« 1 » ، والفكرة متى توزّعت تكون كجدول تفرّق ماؤه فينشفه الجوّ وتشربه الأرض فلا يقع به نفع وإذا جمع بلغ به المزرع فانتفع به ، والثالث أن لا يتكبّر على معلّمه ولا على العلم . قال بعض العلماء : في قوله ( عليه الصلاة والسلام ) : « اليد العليا خير من اليد السفلى » . إشارة إلى فضل المعلّم على المتعلّم ، فحقّ المتعلّم إذا وجد معلّما ناصحا أن يأتمر له ولا يتأمّر عليه ولا يرادّه فيما ليس بصدد تعلّمه ، وكفى على ذلك تنبيها ما حكى اللّه عن العبد الصالح انّه قال لموسى عليه السّلام حيث قال :
« هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً »
فقال :
« فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً »
« 2 » فنهاه عن مراجعته وليس ذلك نهيا عمّا حثّ اللّه تعالى عليه في قوله :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
« 3 » وذلك لأنّ النهي إنّما هو نهي عن نوع العلم الذي لم يبلغ منزلته بعد والحثّ إنّما هو عن سؤال تفاصيل ما خفي عليه من النوع الذي هو بصدد تعلّمه ، وحقّ من هو بصدد تعلّم علم من العلوم أن لا يصغي إلى الاختلافات المشكّكة والشبه الملتبسة ما لم يتهذّب في قوانين ما هو بصدده لئلّا تتولّد له شبهة تصرفه عن التوجّه فيؤدّي ذلك به إلى الارتداد ، ولذلك نهى اللّه تعالى من لم يكن تقوّى في الإسلام عن مخالطة الكفّار فقال :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا »
« 4 » وقال تعالى :
« وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ »
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب / الآية 4 . ( 2 ) سورة الكهف / الآية 66 و 70 . ( 3 ) سورة الأنبياء / الآية 7 . ( 4 ) سورة آل عمران / الآية 118 .
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 355 | الشيخ عباس القمي