تسمّى بالشيخ والدرويش وأوقع الناس بذلك في التشويش فيفرطون فيه أو يفرطون ، فمنهم من يتجاوز به حدّ البشر وآخر يقع فيه بالسوء والشرّ ، يحكي من وقايعه ومناماته ما يوقع الناس في الريب ، ويأتي في اخباره بما ينزل منزلة الغيب ، ربّما تسمعه يقول : قتلت البارحة ملك الروم ونصرت فئة العراق أو هزمت سلطان الهند وقلبت عسكر النفاق أو صرعت فلانا ، يعني به شيخا آخر نظيره ، أو أفنيت بهمانا ، يريد به من لا يعتقد فيه انّه لكبيره ، وربّما تراه يقعد في بيت مظلم يسرج فيه أربعين يوما يزعم انّه يصوم صوما ولا يأكل فيه حيوانا ولا ينام نوما ، وقد يلازم مقاما يردّد فيه تلاوة سورة أيّاما يحسب انّه يؤدّي بذلك دين أحد من معتقديه أو يقضي حاجة من حوائج أخيه ، وربّما يدّعي انّه سخّر طائفة من الجنّة ووقى نفسه أو غيره بهذه الجنّة ، افترى على اللّه كذبا أم به جنّة .
تبديع : ومنهم قوم تسمّوا بأهل الذكر والتصوّف يدّعون البراءة من التصنّع والتكلّف ، يلبسون خرقا ويجلسون حلقا ، يخترعون الأذكار ويتغنّون بالأشعار ، يعلنون بالتهليل وليس لهم إلى العلم والمعرفة سبيل ، ابتدعوا شهيقا ونهيقا واخترعوا رقصا وتصفيقا ، قد خاضوا الفتن وأخذوا بالبدع دون السنن ، يرفعون أصواتهم بالنداء وصاحوا الصيحة الشنعاء أمن الضرب تتألّمون أم من الربّ تتظلّمون أم مع أكفائكم تتكلّمون ، إنّ اللّه لا يسمع بالصماخ فاقصروا من الصراخ ، أتنادون باعدا أم توقظون راقدا تعالى اللّه لا تأخذه السنة ولا تغلّطه الألسنة ، سبّحوا تسبيح الحيتان في النهر وادعوا ربّكم تضرّعا وخيفة دون الجهر انّه ليس منكم ببعيد بل هو أقرب إليكم من حبل الوريد .
داهية : ومن الناس من يدّعي علم المعرفة ومشاهدة المعبود ومجاوزة المقام المحمود والملازمة في عين الشهود ، ولا يعرف من هذه الأمور الّا الأسماء ولكنّه تلقّف من الطامات كلمات يردّدها لدى الأغبياء كأنّه يتكلّم عن الوحي ويخبر عن
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 206
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٢٠٦