تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وأحوالها ، فهذا هو معنى الذكر الحقيقي ، وفي التعبير عن معرفة الحقّ وصفاته وعلم النفس وسماتها بالذكر سرّ خفي يعلمه العارفون بأذواقهم دون الجاهلين والمتشبّهين بأهل الحقّ في مجالسهم وأسواقهم ، وهذا هو التذكير المحمود شرعا الممدوح عقلا الذي دلّ عليه برهان الكشفي وورد عليه الحثّ الشرعي في حديث أبي ذر رضي اللّه عنه ، حيث ورد انّه قال : قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة ، قيل : يا رسول اللّه من قراءة القرآن ؟ فقال : وهل ينفع قراءة القرآن الّا بالعلم ؟ فقد اتّخذ المزخرفون والبطّالون أمثال هذا الحديث وغيره حجّة على تزكية أنفسهم ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم وذهلوا عن طريق الذكر المحمود واشتغلوا بالأصوات والحروف وما يواظب عليه أكثر الوعّاظ والقصّاص في هذا الزمان وهو القصص والحكايات والشطح والطامات ، وأكثر ما اعتاده عامّة المتصوّفة وعوام الوعّاظ في هذا الزمان كلمات مزخرفة شعريّة يكون تكثيرها في المواعظ مذموما ، قال اللّه تعالى :
« وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ * أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ »
« 1 » ، وقال تعالى :
« وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ »
« 2 » ، ومجالس هؤلاء القوم مشحونة بالاشعار وما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعاشيق وشمايل المحبوبين وروح وصالهم وألم فراقهم والمجلس لا يحويه إلّا أجلاف العوام وسفهائهم وقلوبهم محشوة بالشهوات وبواطنهم غير منفكّة عن الالتذاذات والالتفاتات إلى الصور المليحة فلا يحرّك الاشعار المشفوعة بالنغمات من نفوسهم الّا ما هي مستكنّة فيها من الأمراض القلبية والشهوات المخفيّة وقد قيل : مثل السماع للنفوس مثل الزند والمقدحة للنار فيهيج لكلّ أحد ما يكمن ، فمن كان مريض النفس ناقص الهمّة من العوام والأرذال فيشتعل فيهم نيران الشهوات
هامش
( 1 ) سورة الشعراء / الآية 224 و 225 . ( 2 ) سورة يس / الآية 69 .
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 203 | الشيخ عباس القمي