من الأبدال المقرّبين والأوتاد الواصلين لما سمعوا منه كلمات واهية ومزخرفات سطحيّة ، تخيّل له ولهم انّ فيها شيئا من الكرامات والمكاشفات ويسمعهم انّها أخبار الهية وأسرار ربّانيّة ، فلهذا تركوا تعلّم العلم والعرفان ورفضوا اكتساب العمل بمقتضى الحديث والقرآن وعطّلوا ما أعطاهم اللّه تعالى من المشاعر والمدارك عن إعمالها في سبيل الهداية والرشاد وحرموا ما رزقهم اللّه افتراء عليه لصرفها في غير ما خلق لأجله بسبب الجهل والفساد وتشبّثوا بذيل ناقص منهم في العلم والعرفان قاصر مثلهم في العمل والإيمان ، أمّا نقصانه في العلم والمعرفة فلشهادة جهله وإصراره وضلاله واغتراره وكثرة سهوه وخطأه ووفور غلطه وعمائه ، وأمّا قصوره في العمل فلكونه محترقا بنار الشهوات مستغرقا في بحر اللذات أسيرا في أيدي الظلمات ملسوعا بلسع حيّات النعومات ، نهشته ثعابين الشهوات وتماسيح الهوى واللذات فلا يزال يملأ من الشبهة والحرام الحشا ويؤذي الجلّاس والندماء من الجشأ وأكثر أوقاته في التلاعب والتمذق بالصبيان والمردان والمنادمة مع السفهاء والولدان واستماع الغناء ومزاولة آلات اللهو واللعب والخسران ، ومع هذه الآفة الشديدة والداهية العظيمة ادّعى جمع من السفهاء والحمقاء فيه علم المعرفة ومشاهدة الحقّ والوصول إلى القرب ومعاينة الجمال الأحديّ والفوز باللقاء السرمدي وحصول الفناء والبقاء ، وأيم اللّه انّهم لا يعرفون شيئا من هذه المعاني الّا بالأسامي ، وربّما ينظر أحدهم إلى أصناف العلماء بعين الإزراء حتّى انّ أرباب الصناعات والحرف يتركون صنايعهم وحرفهم ويلازمونهم أياما عديدة وتلقّفوا منهم تلك الكلمات المزخرفة واستحسنوها فضلا عن غيرهم من العوام ، فهو يردّدها لهم كأنّه يتكلّم عن الوحي ويخبره عن أسرار الحقايق وضماير القلوب بل يخبر عن سرّ الأسرار فيستحقر بذلك جميع العباد والعلماء ، فيقول في العباد انّهم أجراء متعبون وفي العلماء انّهم بعلومهم عن
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 201
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٢٠١