ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبّائه نظرا واختيارا ، وبسطها لأعدائه فتنة واختبارا ، فأكرم عنها محمّدا نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين عصب على بطنه من الجوع ، وحماها موسى نجيّه المكلّم وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال ، وساق عليه السّلام الكلام في زهد الأنبياء عليهم السّلام وتنزّههم عنها وأنّهم أنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحلّ لأحد أن يشبع منها الّا في حال الضرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح ، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتدّ نتنها ، فكلّ من مرّ بها أمسك على فيه « 1 » ، فهم يتبلّغون بأدنى البلاغ ولا ينتهون إلى الشبع من النتن ، ويتعجّبون من الممتلي منها شبعا والراضي بها نصيبا ، إخواني واللّه لهي في العاجلة والآجلة لمن ناصح نفسه في النظر وأخلص لها الفكر أنتن من الجيفة وأكره من الميتة ، غير انّ الذي نشأ في دباغ الإهاب لا يجد نتنه ولا يؤذيه رائحته ما تؤذي المارّ به والجالس عنده . . . الخ .
وقال عليه السّلام أيضا : أما بعد فاني أحذركم الدنيا فانّها حلوة خضرة حفّت بالشهوات « 2 » .
وقال عليه السّلام أيضا : ما أصف دارا أوّلها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب . . . الخ .
وكان عيسى بن مريم عليه السّلام يقول لأصحابه : يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى اللّه وأخرجوا قلوبكم عنها فانّكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم « 3 » .
تنبيه الخاطر : كان الحسن بن عليّ عليهما السّلام كثيرا ما يتمثّل :
يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها * انّ اغترارا بظلّ زائل حمق
قال أمير المؤمنين عليه السّلام : وأحذّركم الدنيا فإنها دار قلعة وليست بدار نجعة .
كتابي الحسين بن سعيد : عن الصادق عليه السّلام : تمثّلت الدنيا لعيسى عليه السّلام في صورة
هامش
( 1 ) فمه ( ظ ) .
( 2 ) ق : كتاب الكفر / 25 / 95 ، ج : 73 / 113 .
( 3 ) ق : كتاب الكفر / 25 / 97 ، ج : 73 / 120 .