ما معناه : « من أتقن القواعد الأصولية التي أودعها الشيخ في كشفه فهو عندي مجتهد » ، وإن تأمّلت في مواظبته للسنن والآداب وعباداته ومناجاته في الأسحار ومخاطبته نفسه بقوله : « كنت جعيفرا ثمّ صرت جعفرا ثمّ الشيخ جعفر ثمّ شيخ العراق ثمّ رئيس الإسلام » وبكائه وتذلّله لرأيته من الذين وصفهم أمير المؤمنين عليه السّلام من أصحابه للأحنف بن قيس ، وإن تفكّرت في بذله الجاه العظيم الذي أعطاه اللّه تعالى من بين أقرانه والمهابة والمقبولية عند الناس على طبقاتهم من الملوك والتجّار والسوقة للفقراء والضعفاء من المؤمنين ، وحضّه على طعام المسكين لرأيت شيئا عجيبا . وقد نقل عنه في ذلك مقامات وحكايات لو جمعت لكانت رسالة طريفة نافعة .
ومن طريف ما سمعناه ونتبرّك به في هذه الأوراق ما حدّثني به الثقة العدل الصفيّ السيّد مرتضى النجفيّ وكان ممّن أدركه في أوائل عمره قال : أبطأ الشيخ في بعض الأيّام عن صلاة الظهر ، وكان الناس مجتمعين في المسجد ينتظرونه ، فلمّا استيأسوا منه قاموا إلى صلاتهم فرادى ، وإذا بالشيخ قد دخل المسجد فرآهم يصلّون فرادى ، فجعل يوبّخهم وينكر عليهم ذلك ويقول : أما فيكم من تثقون به وتصلّون خلفه ؟ ووقع نظره من بينهم إلى رجل تاجر صالح معروف عنده بالوثاقة والديانة يصلّي في جنب سارية من سواري المسجد ، فقام الشيخ خلفه واقتدى به ، ولمّا رأوا الناس ذلك اصطفّوا خلفه وانعقد الصفوف وراءه ، فلمّا أحسّ التاجر بذلك اضطرب واستحيى ولا يقدر على قطع الصلاة ولا يتمكن من اتمامها ، كيف وقد قامت صفوف خلفه تغتبط منها الفحول من العلماء ، فضلا عن العوام ولم يكن له عهد بالإمامة سيّما التقدّم على مثل هذه المأمومين ، ولمّا لم يكن له بدّ من الإتمام أتمّها والعرق يسيل من جوانبه حياء ، ولمّا سلّم قام فأخذ الشيخ بعضده وأجلسه ، قال : يا شيخ قتلتني بهذا الاقتداء ، ما لي ولمقام الإمامة ؟ فقال الشيخ : لا بدّ لك من أن
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 600
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٦٠٠