تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
عليهم بذلك كثير من المخالفين ، نظرا إلى ظاهر اللفظ ، من غير تحقيق لمرامهم ، حتّى انّ النّاصبي المتعصب الفخر الرازيّ ذكر في خاتمة كتاب المحصّل حاكيا عن سليمان بن حرير انّ أئمّة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم ، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر وشوكة ، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه ، قالوا : بدا للّه تعالى فيه . قال المجلسي : انظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبيّة عينه حتّى نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف ولا مؤالف في فضلهم وعلمهم وورعهم وكونهم أتقى الناس وأعلاهم شأنا ورفعة ، الكذب والحيلة والخديعة ، ولم يعلم انّ مثل هذه الألفاظ المجازية قد وردت في القرآن الكريم وأخبار الطرفين ، كقوله تعالى :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
و
« مَكَرَ اللَّهُ » *
و
« لِيَبْلُوَكُمْ » *
و
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ » *
و
« يَدُ اللَّهِ » *
و
« وَجْهُ اللَّهِ » *
و
« جَنْبِ اللَّهِ »
إلى غير ذلك ممّا لا يحصى ، وقد ورد في أخبارهم ما يدلّ على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مّما ورد في أخبارنا ، كخبر دعاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على اليهود ، وأخبار عيسى عليه السّلام ، وانّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء وغير ذلك . وقال ابن الأثير في ( النهاية ) في حديث الأقرع والأبرص والأعمى : بدا للّه ( عزّ وجلّ ) أن يبتليهم ، أي قضى بذلك ، وهو معنى البداء هاهنا ، لأنّ القضاء سابق والبداء استصواب شيء علم بعد ان لم يعلم ، وذلك على اللّه تعالى غير جائز ، انتهى « 1 » . ثمّ اعلم انّ الآيات والأخبار تدلّ على انّ اللّه ( عزّ وجلّ ) خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكاينات ، أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلا ، وهو مطابق لعلمه تعالى ، والآخر لوح المحو والإثبات ، فيثبت فيه شيئا ثمّ يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب ، مثلا يكتب فيه انّ عمر زيد خمسون سنة ، ومعناه انّ مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره ،
هامش
( 1 ) ق : 2 / 22 / 140 ، ج : 4 / 123 .