فإذا وصل الرحم مثلا ، يمحي الخمسون ويكتب مكانه ستون ، وإذا قطعها يكتب مكانه أربعون ، وفي اللوح المحفوظ انّه يصل وعمره ستّون ، والتغيير الواقع في هذا اللوح مسمّى بالبداء ، امّا لأنّه مشبّه به ، أو لأنّه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا ، وأيّ استبعاد في تحقيق هذين اللوحين ؟ وأيّة استحالة في هذا المحو والإثبات حتّى يحتاج إلى التأويل والتكلّف ؟ وإن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها ، مع أن الحكم فيه ظاهرة .
منها أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطّلعين عليه لطفه تعالى بعباده ، وايصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه ، فيزدادوا به معرفة .
ومنها أن يعلم العباد باخبار الرسل والحجج عليهم السّلام أنّ لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم ، ولأعمالهم السيّئة تأثيرا في فسادها ، فيكون داعيا لهم إلى الخيرات ، صارفا لهم عن السيئات .
ومنها انّه إذا أخبر الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام أحيانا من كتاب المحو والإثبات ثمّ أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به ، ويكون في ذلك تشديدا للتكليف عليهم تسبيبا لمزيد الأجر لهم ، كما في ساير ما يبتلي اللّه عباده من التكاليف الشاقة ، وايراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها ، وبها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين ، إلى أن قال :
روي عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : قلت لهذا الأمر وقت ؟
فقال : كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون ، انّ موسى عليه السّلام لمّا خرج وافدا إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوما ، فلمّا زاد اللّه إلى الثلاثين عشرا قال قومه : قد أخلفنا موسى ، فصنعوا ما صنعوا ، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على ما حدّثناكم ، فقولوا : صدق اللّه ، وإذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به فقولوا :
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 238
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٢٣٨