ولكن ينبغي أن لا يخلط بين الحدّ الفقهي للتوبة والحدّ الأخلاقي لها ، وهو ما قد يشي به الحدّ الخامس ، كما ينبغي أن لا يخلط بين المحدود وبين لازمه أو شرطه أو محقِّقه أو المنزّل منزلته ، كما هو الحال في الحدّ السادس ؛ إذ لم تثبت للتوبة حقيقة شرعيّة ولا متشرّعيّة وراء معناها اللغوي ، وهو الرجوع ، فلا يلزم ما هو أزيد منه .
لا يقال : - كما حُكي عن بعض الأعاظم « 1 » - من خروج الندم عن حقيقة التوبة ، محتجّاً بأن الندم - وهو تألُّم القلب وحزنه على الذنب - غير مقدور ، وأنما المقدور تحصيل أسبابه ، أعني الإيمان والعلم بفوات المحبوب ، وتحقيقهما في قلبه ، وعلى هذا فلا يكون الندم من التوبة ؛ إذ التوبة مقدورة للعبد ومأمور بها ، فاللازم فيها التندُّم دون الندم .
( نعم لا يقال ذلك ) فإنّه يجاب عنه بأنه إذا أمكن تحصيل سبب الندامة - أعني العلم بفوات المحبوب - لزم ترتُّب المسبَّب - أعني الندامة عليه - فما معنى عدم كونه مقدوراً ؟ ! .
وأما ما في بعض الكلمات من " أنه لمّا امتنع الرجوع الحقيقي كان المراد منها الرجوع الادِّعائي الحاصل بالندم " « 2 » فلا موجب له ؛ إذ أن التوبة في الخطابات الدالّة على مطلوبيّتها إما أن تكون بنحو ( تُبْ من ذنبك أو عنه ) ، ولا امتناع في أن يكون الرجوع آنئذٍ رجوعاً حقيقيّاً كما هو بيِّن ، وإما أن تكون بنحو ( تُبْ إلى الله ) ، وفي مثله يكون المراد من الرجوع إليه سبحانه هو الرجوع إلى دينه وسبيله وصراطه ، وهذا الرجوع رجوعٌ حقيقي أيضاً ، ولا محل للرجوع الادِّعائي الذي يحقِّقه الندم ؛ فإن المقصود من الرجوع إليه هو الرجوع إليه بما هو مولى ، لا بما هو خالقٌ مالك ، والرجوع إليه بما هو مولى هو الرجوع إلى طاعته بعد معصيته .
هامش
( 1 ) حكاه عنه ولم يسمِّه في جامع السعادات 40 : 3 .
( 2 ) مستمسك العروة الوثقى 5 : 4 .