بل إنّ الحكم بين الناس في قوله سبحانه
( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ )
، وقولِه
( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ )
، وقولِه
( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ )
« 1 » يستبطن استحكام الخصومة والنزاع سلفاً ، ومعه يُطْلَبُ الحكم ، وهو الفصل وقطع الخصومة ، ولا خصومة بين الأجنبي والمدّعى عليه .
ثانيهما : عدم عُقلائية مثل هذه الدعوى ؛ فإنّ العرف يستنكر دعوى الأجنبي المحض « 2 » .
وقد استثنوا من ذلك الدعاوى الحسبية من المحتسبين وإن كانوا أجانب ، فتسمع دعوى الأجنبي إيفاءَ الميِّت - الذي له صغارٌ - ديناً يدَّعيه عليه غيره ، ويعلم الإيفاء هذا الأجنبي ويعلم شهوده عليه ، كما تسمع دعواه إيفاء صديقه أو جاره لدينٍ يدَّعين عليه غيره ليأخذه من ماله ، أو دعوى الجار سرقة ثالثٍ مال الجار الغائب ويريد السارق الفرار ، أو دعوى الأجنبي تفريط الولي أو الوصي بالمولَّى عليه ، إلى مثيل ما ذُكِرَ « 3 » .
ونلفت النظر إلى ضرورة توفّر شرطٍ لسماع الدعوى حسبةً ، وهو أن يُخشى فوتُ الحق أو المال أو ضياعه على صاحبه على تقدير عدم رفع المحتسب للدعوة ، بأن تأخّر إلى مجيء الغائب أو إدراك الصبي ، وينبغي أن يكون هذا الاشتراط واضحاً ، إذا ما عرفنا أنّ الحِسبةَ ( بالكسر ) هي الإتيان بالأمر من باب كونه أمراً قُرْبِيّاً ، ويُعْلَمُ أنّ الشارع يُريد إيقاعه والاهتمام به في الخارج ، ولا يرضى بتركه وإهماله ، ولم يُسْنَد اللازم تجاهه إلى
هامش
( 1 ) المائدة : 49 ، النساء : 105 ، سورة ص : 26 .
( 2 ) ومن هنا قد يستغرب ما ذكره أحد الأعلام ( قدس سره ) من سماع دعوى ذوي المالك وأقربائه ، متعلّلًا بانصراف أدلّة المنع عن مثلها . كتاب القضاء 2 : 82 للسيد الكلبايكاني ( قدس سره ) .
( 3 ) لاحظ للمزيد كلمة التقوى 72 : 8 م 85 ، فقه الإمام جعفر الصادق ( ع ) ج 77 : 6 .