تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
دعوت عليها إلا هي الذي أعبد أهلكها ، وهو اللّه وحده لا شريك له ، فقال له سيده : فافعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه ، فقام فيميون فتطهر وصلّى ركعتين ، ثم دعا اللّه تعالى عليها ، فأرسل اللّه عزّ وجلّ عليها ريحا فجعفتها من أصلها فألقتها ، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه ، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم عليه السّلام ، ثم دخلت عليهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض ، فمن هناك كانت النصرانية بنجران في أرض [ العرب ] . [ قالوا « 1 » : وكان في قرية من قرى نجران ساحر يعلّم أهل نجران السحر ، فلما نزلها ] فيميون ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية ، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر ، فبعث الثامر [ ابنه ] عبد اللّه بن الثامر مع غلمان أهل نجران ، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحّد اللّه تعالى وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام ، حتى إذا تعلّم جعل يسأله عن الاسم الأعظم ، وكان يعلمه ، فكتمه إياه وقال له : يا ابن أخي انك لن تحمله ، أخشى ضعفك عنه ، والثامر أبو عبد اللّه لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبد اللّه أن صاحبه قد ضنّ به عنه عمد إلى قداح ، ثم لم يبق للّه اسما يعلمه إلا كتبه في قدح ، لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مرّ بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا ، فأخذه ثم أتى صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه ، فقال : وما هو ؟ قال له : كذا ، قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع ، قال : أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل ، فجعل عبد اللّه بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له : يا عبد اللّه أتوحّد اللّه وتدخل في ديني وأدعو اللّه فيعافيك مما أنت [ فيه ] من البلاء ؟ فيقول : نعم ، فيوحد اللّه ويسلم ويدعو له فيشفى ، حتى لم يبق بنجران أحد به ضرّ إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي ، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه فقال له : أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي ، لأمثلن بك ، قال : لا تقدر على ذلك ، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ليس به بأس ، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران ، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك ، فيخرج ليس به بأس ، فلما غلبه قال له عبد اللّه بن الثامر : انك واللّه لا تقدر على قتلي حتى توحّد اللّه تعالى فتؤمن بما آمنت به ، فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي فقتلتني ، قال : فوحّد اللّه تعالى ذلك الملك وشهد بشهادة عبد اللّه بن الثامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجّة غير كبيرة فقتله ، وهلك الملك مكانه ، واستجمع أهل نجران على دين عبد اللّه بن الثامر ، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث . وحدّثوا « 2 » أن رجلا من أهل نجران في زمن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ، حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته ، فوجدوا عبد اللّه بن الثامر تحت دفن منها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده ، فإذا أخرت يده عنها تنبعث « 3 » دما ، وإذا أرسلت يده ردّها عليها ، فامسك دمها ، وفي يده خاتم مكتوب فيه : ربي ، فكتب فيه إلى عمر رضي اللّه عنه فكتب إليهم عمر رضي اللّه عنه : أن أقرّوه على حاله وردّوا عليه الدفن الذي كان عليه ، ففعلوا . وكان الأسود بن كعب العنسي قد ادعى النبوة في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واتبع على ذلك ، وسمعت به بنو الحارث بن كعب من أهل نجران ، وهم يومئذ مسلمون ، فأرسلوا إليه يدعونه أن يأتيهم في بلادهم ، فجاءهم فاتّبعوه وارتدّوا عن الإسلام ، ويقال : دخلها يوم دخلها في خمسة آلاف من حمير يدّعي النبوّة ويشهدون له بها ، فنزل همدان فلم يتبعه من النخع ولا من جعفي أحد ، وتبعه ناس من بني أسد ومذحج وعنس واود وحكم ، وأقام الأسود بنجران ، ثم رأى أن صنعاء خير له من نجران فسار إليها في ستمائة راكب من بني الحارث فنزلها ، فأبت الأبناء أن يصدقوه ، فغلب على صنعاء واستذل الأبناء بها وقهرهم وأساء جوارهم لتكذيبهم إياه ، إلى أن كان من أمره ما نذكره عند الوصول إلى ذكر صنعاء إن شاء اللّه تعالى . وإلى أفعى نجران مضى أولاد معد بن عدنان وهم مضر وإياد
هامش
( 1 ) النقل مستمر من رواية ابن إسحاق . ( 2 ) الطبري 1 : 926 . ( 3 ) الطبري : انثعبت .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 574 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس