تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣

النجاغة

« 1 » : من مدن الحبشة صغيرة على صفة النهر ، أهلها فلاحون يزرعون الذرة والشعير ومنه يعيشون ومتاجرها قليلة ، والسمك عندهم كثير ممكن والألبان غزيرة ، وبينها وبين مركطة ستة أيام انحدارا في النهر ، وفي الصعود أزيد من عشرة أيام على قدر الامكان وليس بعد هاتين المدينتين في جهة الجنوب شيء من العمارات ولا شيء يعول عليه .

نجران :

من بلاد اليمن ، سميت بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان . وممن كان « 2 » في الفترة أصحاب الأخدود ، وكانوا بنجران ، وبلغ ذا نواس أن قوما بنجران على دين المسيح ، وكان هو يهوديا ، فنهض إليهم بنفسه ، وحفر لهم أخاديد وأضرمها نارا ثم دعاهم إلى اليهودية فمن أبى قذفه في الأخاديد ، فأتي بامرأة معها طفل ابن سبعة أشهر فأبت أن ترجع عن دينها ، فأدنيت من النار فجزعت ، فأنطق اللّه تعالى الطفل فقال : امضي على دينك فلا نار بعدها فألقيت في النار ، فسلّط اللّه تعالى عليهم الحبشة وغلبوهم على أرض اليمن إلى أن كان من أمر ابن ذي يزن واستجارته بكسرى أنوشروان ما كان . وبنجران « 3 » كان عبد اللّه بن الثامر من أهل دين عيسى عليه السّلام ، وكان بها بقايا من أهل دينه على الإنجيل أهل فضل واستقامة ، وعبد اللّه بن الثامر رأس لهم ، وكان أصل ذلك الدين بنجران ، مع أن العرب كانوا أصحاب أوثان ، أن رجلا من بقايا ذلك الدين يقال له فيميون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه فدانوا به ، وكان صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة ، وكان سائحا ينزل القرى ، ولا يعرف في قرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف بها ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ، وكان بناء يعمل الطين ، وكان يعظم الأحد فلا يعمل فيه شيئا ، فخرج إلى فلاة من الأرض يصلّي بها حتى يمسي ، وكان في قرية من قرى الشام ، ففطن لشأنه رجل من أهلها يقال له صالح ، فأحبه حبا شديدا ، وكان يتبعه حيث ذهب فلا يفطن له فيميون ، حتى خرج في يوم أحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع ، فاتبعه صالح وهو لا يدري بمكانه ، وقام فيميون يصلّي فأقبل نحوه التنين ، الحية ذات الرؤوس السبعة ، فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت ، فرآها صالح ولم يدر ما أصابها ، فخافها عليه ، فعيل صبره فصرخ : يا فيميون ، التنين قد أقبل نحوك ، فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى فرغ منها وأمسى وانصرف ، وعرف أنه قد عرف ، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه فقال له : يا فيميون ، اعلم أني ما أحببت شيئا قط حبك ، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيث كنت ، قال : إما شئت ، أمري كما ترى ، فإن علمت أنك تقوى عليه فنعم ، فلزمه صالح . وكان إذا جاءه أحد به الضرّ دعا له فشفي ، وإذا دعي إلى أحد به ضرّ لم يأته ، وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير ، فسأل عن شأن فيميون ، فقيل له إنه لا يأتي أحدا دعاه ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجرة ، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته وألقى عليه ثوبا ، ثم جاءه فقال : يا فيميون اني أردت أن أعمل في بيتي عملا فانطلق معي إليه حتى تنظر إليه ، فأشارطك عليه « 4 » ، فانطلق معه حتى دخل حجرته ثم قال : ما تريد أن تعمل في بيتك هذا ؟ قال كذا وكذا ، ثم أزال الرجل الثوب عن الصبي وقال : يا فيميون عبد من عباد اللّه أصابه ما ترى فادع اللّه له ، فدعا له فيميون فقام الصبي ليس به بأس ، وعرف فيميون أنه قد عرف ، فخرج من القرية واتبعه صالح ، فبينما هو يمشي في بعض الشام إذ مرّ بشجرة عظيمة ، فناداه منها رجل فقال : أفيميون ؟ قال : نعم ؛ [ قال ] : ما زلت انتظرك وأقول : متى هو جاء ، حتى سمعت صوتك فعرفت أنك هو ، لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت الآن ، قال : فمات وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ، وتبعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب ، فعدوا عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران ، وأهل نجران يومئذ على دين العرب يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم لها عيد في كل سنة ، فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي النساء ، ثم خرجوا إليها وعكفوا عليها يوما ، فابتاع فيميون رجل من أشرافهم ، وابتاع صالحا آخر ، فكان فيميون إذا قام الليل في بيت له أسكنه إياه سيده يصلي استسرج له البيت نورا حتى يصبح ، من غير مصباح ، فرأى ذلك سيده فأعجبه ما يرى منه ، فسأله عن دينه فأخبره به ، وقال له فيميون : إنما أنتم في باطل ، ان هذه النخلة لا تضر ولا تنفع ولو
هامش
( 1 ) ع : النجاغة ، وكذلك هي في أصول نزهة المشتاق ، الإدريسي ( د ) : 24 (OG: 43 ) ( 2 ) البكري ( مخ ) : 21 . ( 3 ) السيرة 1 : 31 وما بعدها ؛ والطبري 1 : 920 . ( 4 ) ص ع : فأشار عليه .