تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
الفواكه والألبان والسمن ، والعسل بها كثير ، وهي من أحسن البلاد صفة وأكثرها فواكه وخصبا .

ماست

« 1 » : نهر عظيم في بلاد السوس الأقصى بالمغرب يصب في البحر المحيط ، جريه من القبلة إلى الجوف كجري نيل مصر ، عليه قرى متصلة وعمارات كثيرة وبساتين وجنات وأنواع من الفواكه والثمار والأعناب وقصب السكر ؛ ولم يتخذ الساكنون على هذا الوادي قط رحى فإذا سئلوا عن ذلك قالوا : نتخذ هذا الماء المبارك في إدارة الأرحاء ! ! وهم يتطيرون بها . وعلىّ مصب « 2 » هذا الوادي في البحر رباط مقصود له موسم عظيم ومجتمع جليل ، وهو مأوى للصالحين ، وبين هذا الوادي ونول لمطة ثلاث مراحل في عمائر متصلة تسكنها جزولة ولمطة . وإلى هذا الموضع ينسب الثائر الخارج على عبد المؤمن بن علي المعروف بمهدي ماست « 3 » وكان عبد المؤمن صيّر إليه الجيوش مرة بعد مرة فهزمهم وكثر شغبه وعظمت جموعه ، فتوجه إليه بالعساكر الشيخ أبو حفص صاحب الإمام المهدي فواقعه ، وكانت بينهم حروب صعبة ، فانهزم هذا القائم وقتل أصحابه ؛ وهذا فصل من الكتاب بالاعلام بذلك ، وهو من إنشاء أبي جعفر ابن عطية « 4 » : كان أولئك الضّالّون المرتدّون « 5 » من أهل ماست قد بطروا عدوانا وظلما ، وارتكبوا إفكا وجرما ، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النّفوس بخزعبلاته ، واستغوى القلوب بمهولاته ، ونصب به الشيطان ما شاء من حبالاته ، فأتته المخاطبات من بعد وكثب ، ونسل إليه الرسل من كل حدب ، واعتقدته الخواطر الزائغة أعجب عجب ، وكان للناس هناك موقف أخذت الحرب فيه حقوقها ، ونهجت به طريقها ، وعرفت به رجالها وفريقها ، وكنا نحن بخاصتنا في الساقة فحملنا على من يلينا من الأعداء ، وحملت كل قبيلة على من يليها على الو لاء ، فكانت هناك كرّات شهيرة ، وحملات كثيرة ، وظهر لأعداء اللّه تجلد لم ير قط لأمثالهم ، ولا تخيّل من أفعالهم ، وذلك أنهم كانوا يعاينون غويهم لا تنقله الحملات ولا تحركه ، ولا تزيله المنية عنه ولا تتركه ، فكانوا ينظرون إليه ، ويظهرون الجلد والاجتهاد لديه ، فلما عاينه الموحدون واقفا بمكانه ، مقبلا على بهتانه ، قصدوا بعون اللّه لإطفاء ناره وكف عنانه ، فصرع لحينه ، وأتته نوافذ الخطيات عن يساره ويمينه ، وعاد لوقته طريحا ، تقلب منه المنايا قلبا قريحا ، فانهزم من كان له من الأحزاب ، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب ، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب ، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي ، ودام الموحدون في الاصرار على قتلهم والتمادي ، فمن كان منهم يؤمل الفرار ويرتجيه ، وسبح طامعا في الخروج إلى ما ينحيه ، اختطفته الأسنّة هناك اختطافا ، وأذاقته موتا ذعافا ، ومن لج في الترامي على لججه ، ورام البقاء بثبجه ، قضى لحينه شرقه ، ولوى بدينه غرقه ، وكان دخولهم فيه في أول مدّه إلى حين ابتداء الوادي في جزره ونقصانه ، وكفّه عن حملاته وطغيانه ، فدخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه ينالونهم طعنا وضربا ، ويلقونهم هولا عظيما وكربا ، حتى انبسطت مراقات الدماء ، على صفحات الماء ، فحكت حمرتها على زرقه حمرة الشفق في زرق السماء ، فمن لم تدركه منيته بسنان ، أدركه الغرق بشرّ مكان .

مادغوس

« 6 » : قبر مادغوس بقرب جبل أوراس ، وهو قبر مثل الجبل الضخم مبني بآجر دقيق قد بني وعقد بالرصاص ، وصورت فيه صور الحيوان من الأناسي وغيرهم ، وهو مدرج النواحي ، وفي أعلاه شجرة ثابتة « 7 » وقد اجتمع على هدمه من سلف فلم يقدروا على ذلك ، وفي الشرق من هذا القبر بحيرة مادغوس وهي « 8 » مجتمع لكل طائر .
هامش
( 1 ) الاستبصار : 211 ( وادي ماسة ) ، وقد مرّ هذا في مادة « السوس » . ( 2 ) البكري : 161 . ( 3 ) هو محمد بن عبد اللّه بن هود ثار سنة 541 ، وكان قصارا على ضفة بحر سلا فادعى الهداية وسمّى نفسه الهادي واستقرّ برباط ماسة واحتشدت إليه الأتباع ( البيان المغرب 3 : 26 - تطوان ) . ( 4 ) كان أبو جعفر ابن عطية كاتبا لإسحاق بن علي بن يوسف اللمتوني ، فلما ذهبت الحملة ضد الماستي خرج فيها مستخفيا في جملة الرماة ، فلما انتصر الموحدون طلب الشيخ أبو حفص كاتبا يكتب عنه بخبر الفتح إلى عبد المؤمن ، فعرف بابن عطية فكتب هذه الرسالة التي أعجبت عبد المؤمن والحاضرين في مجلسه ، فقربه عبد المؤمن وجعله كاتبه ثم حدثت شؤون جعلته يقتله ( انظر البيان المغرب 3 : 26 - 27 ، 35 ، والمعجب : 267 ، والإحاطة 1 : 271 ، واعتاب الكتاب : 225 ، وقد ورد في المصدرين الأخيرين مقتطفات من الرسالة المشار إليها ، وفي بعض العبارات اختلاف عما أورده المؤلف ) . ( 5 ) ص ع : الظالمون والمرتدون . ( 6 ) البكري : 50 ، والاستبصار : 164 . ( 7 ) البكري : نابتة . ( 8 ) ص ع : وهو .