والعين الأخرى تحت قصر قفصة تسمى بالطرميد ، عليها بناء عجيب ، وبإزائها مسجد يعرف بمسجد الحواريين ، منبع هذه العين من حجر صلد من ثقب يسع فيه الإنسان ، وينبعث منه بقوة عظيمة وقد بني له صهريج عليه دكاكين مبنية بالحجر الجليل ، وعليه أقباء وقد بني فوقه مسجد عظيم ، فإذا اجتمع ماء هذه العين الكبيرة والتي عند الجامع جاء منهما نهر كبير تطحن عليه أرحاء كثيرة ، ويسقي نصف غابة قفصة ونصف أرضها ومزدرعاتها ، والنصف الثاني من غابة قفصة يسقى من عين عظيمة خارج المدينة تسمى عين المنستير ، وهي عين كبيرة معينة عذبة يخرج منها نهر كبير ، وهذه العين من أحسن ما رئي من العيون ، وهي في جانب النهر الكبير المسمى بوادي بايش « 1 » ، وهو يشق غابة قفصة ويسقي بعض بساتينها ، وهو نهر كبير مشهور يأتي من جبال شرقي قفصة لكنه في أيام الصيف يقل جريانه ولا ينقطع ، وأرض هذا الوادي كله تنشع ماء ، وفيه تورد العرب إبلها تحفر فيه أحساء فيخرج ماء عذبا معينا .
ولأهل قفصة في سقي جناتهم هندسة عظيمة وبرسام شديد وتدقيق حساب ، يقول أهل قفصة : إذا رأيت قوما يتخاصمون وقد علا بينهم الكلام فاعلم أنهم في أمر الماء ، وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة في حجر من عمل الأول ترجمت فإذا هي : هذا بلد تحقيق وتدقيق وتدنيق . وكذلك ليس بإفريقية حريم أجمل من حريم قفصة ، مع ملاحة أخلاقهم ورخامة منطقهم ، ويسمون الماء الذي يخرج من المدينة فيسقي نصف جنّاتهم : الماء الداخل ، ويسمون الماء الذي خارج المدينة وهو عين المنستير وماء وادي بايش « 2 » : الماء الخارج ، ولهم مياه غير هذه تسمى بالماء الصغير ، وهي عيون كثيرة بقرب المدينة تسقي بعض جناتهم ، وسقيهم بها بالساعات ، فترى خدام تلك الجهة « 3 » والبساتين أعرف بأوقات النهار ، إذا سألت رجلا منهم لا يفقه شيئا عما مضى من ساعات النهار وقف ونظر إلى الشمس واكتال بقدميه في موضع ظله ويقول لك : مضى كذا وكذا ساعة وكذا وكذا سدس ساعة . وأهل قفصة يتنافسون في المياه كلها ويتبايعون سقيها بأعلى ثمن ، وأكثرهم يتكلم باللسان اللطيني الإفريقي .
ومدينة « 4 » قفصة مركز البلاد الدائرة بها .
ولها غابة كبيرة وقد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل في تكسير دائرتها نحو خمسة عشر ميلا ، فيها من المنازل التي تعرف بالقرى ثمانية عشر منزلا ، وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه سور الغابة ، وفي ذلك السور أبواب عظيمة عليها أبراج مسكونة ، يسمون تلك الأبواب : الدروب ، وغابة قفصة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه التي ليس في الدنيا مثلها ، فيها تفاح عجيب جليل ذكي الرائحة يسمونه السوسي « 5 » لا يوجد في بلد مثله ، وكذلك الرمان والأترج واللوز لا يوجد مثله في بلد ، وفيها نوع من التمر يسمى الكسبا ليس في بلد مثله ، وهو أكثر تمرهم ، يكون في التمرة فتر ، في جرم بيض الدجاج ، تكاد تنفذها ببصرك لصفاء لونها ورقة بشرتها ، وهم يجعلونه في ازيار ، فإذا أخرجوه منها بقي في قعر الزير عسل ألذ من عسل النحل وأعظم ، وهم يصرفونه في طعامهم كما يصرف العسل ، وتعمل منه الحلاوات .
وقفصة أكثر البلاد فستقا ، وليس بافريقية فستق إلا فيها ، ومنها يجلب إلى بلاد إفريقية وبلاد المغرب والأندلس ومصر ، والذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل القفصي ، فإن القفصي يكاد يكون في جرم اللوز ، وهو إذا كان في شجرته أجمل شيء ، فإنه يكون عناقيد مثل عناقيد العنب ، وهو ذكي الرائحة لا يقدر أحد أن يسرق منه شيئا لأنه تنم عليه رائحته .
وفي بساتين « 6 » قفصة من الرياحين كثير ، مثل الآس والياسمين والنارنج والنرجس والسوسن والبنفسج وغير ذلك ، ووردها أكثره أبيض ، وماؤه أذكى ماء يكون للورد ، يشبه الجوري الذي يجلب من بلاد مصر . وتصنع بقفصة أردية وطيالسة وعمائم من صوف في نهاية من الرقة تضاهي ثياب الشرب ، وتصنع بها أواني للماء من خزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية من الرقة ليس يعلم لها نظير في جميع البلاد ، ويصنع بها زجاج حسن وأواني حنتم عجيبة وأواني مذهبة غريبة ، وهي حاضرة في جميع أمورها ، وأهلها ذوو يسار ، وفيهم خير كثير ، ولهم صدقات ، وهم يعظمون يوم عاشوراء تعظيما كثيرا ، وهو عندهم مثل الأعياد ، ولهم فيه
هامش
( 1 ) ع ص : بالش .
( 2 ) ع ص : بالش .
( 3 ) الاستبصار : الجنات .
( 4 ) هذه العبارة لم ترد في الاستبصار .
( 5 ) الاستبصار : السدسي .
( 6 ) النقل مستمر عن الاستبصار .