ورفع السيف عليها ، فاستجارت مجاعة . فألقى عليها رداءه وقال :
إني جار لها فنعمت الحرة ، وعيّرهم وسبّهم وقال : تركتم الرجال وجئتم إلى امرأة تقتلونها ! ! عليكم بالرجال ، فانصرفوا .
قال وحشي : اقتتلنا قتالا شديدا فهزموا المسلمين ثلاث مرات ، وكرّ المسلمون في الرابعة ، وتاب اللّه عليهم وصبروا لوقع السيوف حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها ، حتى سمعت لها أصواتا كالأجراس ، وأنزل اللّه تعالى نصره وهزم بني حنيفة وقتل مسيلمة . قال : ولقد ضربت يومئذ بسيفي حتى غرق قائمه في كفي من دمائهم ، وأشرف عمار على صخرة يصيح : يا معشر المسلمين أمن الجنّة تفرّون ، أنا عمار بن ياسر هلمّوا إليّ .
قال شريك الفزاري : لمّا التقينا والقوم ، صبر الفريقان صبرا لم ير مثله قط ما تزل الأقدام فترا ، واختلفت السيوف بينهم ، وجعل أهل السوابق والنيات يتقدمون فيقتتلون حتى فنوا ، ولقد أحصيت لنا ثلاث انهزامات ، وما أحصيت لحنيفة إلا انهزامة واحدة ، التي ألجأناهم فيها إلى الحديقة ، حديقة الموت ، وجماعة الناس أربعة آلاف ، وحنيفة مثل ذلك ، فلما التقينا أذن اللّه للسيوف فينا وفيهم ، فجعلت السيوف تختلي هام الرجال وأكفهم ، وجراحا لم أر جراحا قط أبعد غورا منها فينا وفيهم ، ثم اقتحمنا الحديقة فضاربوا فيها وغلقنا الحديقة وأقاموا على بابها رجالا لئلا يهرب منهم أحد ، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت فجدوا في القتال ، ودكت السيوف بيننا وبينهم ، ما فيهم رمي بسهم ولا حجر ولا طعن برمح حتى قتلنا عدو اللّه مسيلمة ، وهذا لباب الخبر ومقصوده ، وإلا فالقصة أطول من هذا .
عسكر مكرم
« 1 » : مدينة بقرب الأهواز كبيرة عامرة على نهر المسرقان ، وفيها التجار وأخلاط من الناس ، وفيها أسواق وأرزاق وصناعات ، ولها مزارع متصلة ، وبها صنف من العقارب إذا لسبت قتلت لحينها ، وبين عسكر مكرم وتستر مرحلة ، وبينها وبين رامهرمز مرحلتان ، وبينها وبين الأهواز مرحلة .
وكان الحجاج قد بعث مكرم بن جعونة فنزل موضع عسكر مكرم اليوم ، فبه سمي الموضع « 2 » .
عسكر المهدي
« 3 » : هو في الجانب الشرقي من بغداد ، وكان المنصور لما ابتنى بغداد نزل ابنه المهدي وهو ولي عهد بالجانب الشرقي من بغداد سنة ثلاث وأربعين ومائة ، فاختط المهدي قصوره « 4 » بالرصافة وابتنى المسجد الجامع الذي بها وحفر نهرا يأخذ من النهروان سماه نهر المهدي يجري في هذا الجانب ، وهذا الجانب يعرف بعسكر المهدي ، وقسمت فيه القطائع وتنافس الناس فيه لمحبتهم للمهدي وتوسعته عليهم ، ولأنه كان أوسع الجانبين أرضا .
وكان الرشيد ولى أبا البختري وهب بن وهب « 5 » القضاء بعسكر المهدي ثم ولاه مدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجعل إليه حربها مع القضاء ، وكان الرشيد أرسل إليه بنو قالة فيه ماء أو فقاع مبرد ، فقال له الرسول : يقول لك أمير المؤمنين هذا بارد وقد آثرتك به ، فقال أبو البختري لخادمه : هات الألفي الدينار اللذين عندك ، فجاء بهما فوهبهما لخادم الرشيد ، فقال له الرشيد : ما هذا السرف ؟
أوجّه إليك بشربة باردة فتعطي الخادم ألفي دينار ؟ ! قال :
يا أمير المؤمنين ، جاءني بما آثرتني به على نفسك وولدك أفأستكثر له ألفي دينار ، واللّه لو ملكت أضعافها لدفعتها إليه ، فأمر له الرشيد بعشرة آلاف دينار .
عسقلان
« 6 » : مدينة بالشام ، بينها وبين فلسطين مرحلة ، وهي الآن عامرة بأيدي الروم ، وهي على ساحل البحر ، فتحها معاوية على صلح سنة ثلاث وعشرين . وعسقلان بينها وبين الرملة ستة فراسخ ، وأسواقها مفروشة بالرخام ، وفيها عين ماء لإبراهيم عليه السّلام ، وبينها وبين غزة أربعة فراسخ .
وعسقلان « 7 » مدينة حسنة ذات سورين ، وليس لها من خارجها بساتين ولا شجر بها ، وتغلّب عليها الروم سنة ثمان [ وأربعين ] وخمسمائة ، وهي معدودة في أرض فلسطين .
هامش
( 1 ) نزهة المشتاق : 123 .
( 2 ) عند ياقوت : مكرم بن معزار أحد بني جعونة بن الحارث ، قال : وقيل بل مكرم مولى للحجاج .
( 3 ) اليعقوبي : 251 وما بعدها ، وقارن بياقوت ( عسكر المهدي ) ، وابن خلكان 4 : 351 ( ترجمة : محمد بن عمر الواقدي ) .
( 4 ) اليعقوبي : قصره .
( 5 ) كان أبو البختري فقيها اخباريا جوّادا يحب المديح ويثيب عليه العطاء الجزيل ، وقد عرف عنه الوضع في الحديث ، توفي سنة 200 ببغداد ( ابن خلّكان 6 : 37 وفي الحاشية مصادر أخرى لترجمته ) .
( 6 ) قارن بياقوت ( عسقلان ) ، وابن الوردي : 25 .
( 7 ) نزهة المشتاق : 113 .