تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
البحر ، ومما يلي الجنوب بعض قومس ، وطول هذا الحد خمسون فرسخا ، وعرضه مما يلي قومس أربعون فرسخا . وبحر طبرستان « 1 » هو المسمّى بحر الخزر ، وما حوله من أقطار الخزر والغزية ، وهذا البحر منقطع غير متصل بشيء من البحار ، وطوله نحو ثمانمائة ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، وفيه أربع جزائر ، وهو بحر مظلم لا مدّ فيه ولا جزر ، وهو مظلم القعر بخلاف بحر القلزم وغيره لأن تراب قعره طين ، وما قيل إن هذا البحر متصل ببحر نيطس من تحت الأرض وبينهما نحو ست مراحل فليس بصحيح . وكان مزيد صالح « 2 » اصبهبذ طبرستان ثم لم يزل بعد ذلك يعطي الشيء اليسير فيقبل منه لصعوبة مسلك البلد وخشونته فإذا أحسّ من صاحب خراسان بضعف لم يعط شيئا ولا أرى طاعة ، حتى ولي أبو جعفر الخلافة وقتل أبا مسلم فهابه الاصبهبذ ، فكتب إليه بالطاعة ووجّه رسله ، فقبل أبو جعفر ذلك وبرّ رسوله ، ثم جعل يوجّه بالهدايا والألطاف في كل نوروز ومهرجان ، ثم إن الاصبهبذ استطال أيام أبي جعفر فأمسك عن البعثة إليه ، وبقية الخبر في رسم الطاق فانظره هناك . وافتتحت طبرستان سنة اثنتين وأربعين ومائة ، وأكبر مدنها الجبل وبها مستقر الولاة ، وكانوا من قبل يسكنون سارية . وحكى البلاذري « 3 » ان المأمون كان ولى مايزديار اعمال طبرستان والرويان ودنباوند وسمّاه محمدا ، وجعل له مرتبة الاصبهبذ ، فلم يزل على ذلك أيام المأمون وصدرا من خلافة المعتصم بالله نحوا من ست سنين ثم إنه كفر وغدر ، فكتب المعتصم إلى عبد اللّه بن طاهر بن الحسين عامله على خراسان وسجستان والري وقومس وجرجان يأمره بمحاربته ، فوجّه عبد اللّه الحسن ابن الحسين عمه في رجال خراسان ، ووجّه المعتصم بالله محمد بن إبراهيم بن مصعب في من ضم إليه من جند الحضرة ، فلما توافت الجيوش في بلاده كاتب أخ له يقال له قوهيان « 4 » بن قارن الحسن ومحمدا وأعلمهما أنه معهما عليه ، وقد كان يحقد عليه أشياء يناله بها من الاستخفاف ، وكان أهل عمله قد ملّوا سيرته لتجبره وعسفه ، فكتب إلى الحسن يشير عليه بأن يكمن في موضع سمّاه له ، وقال للمايزديار : إن الحسن قد أتاك وهو بموضع كذا وكذا ، وذكر غير الموضع ، وهو يدعوك إلى الأمان ويريد مشافهتك ، فسار مايزديار يريد الحسن ، فلما صار بقرب الموضع الذي كان الحسن كامنا فيه آذنه قوهيان بمجيئه ، فخرج اليه في أصحابه ، وكانوا منقطعين في الغياض فجعلوا ينثالون « 5 » إليه ، فأراد مايزديار الهرب فأخذ قوهيان بمنطقته ، وانطوى عليه أصحاب الحسن ، فأخذوه بغير عهد ولا عقد ، فحمل إلى سرّ من رأى في سنة خمس وعشرين ومائتين ، وضرب بالسياط بين يدي المعتصم ضربا مبرحا ، فلما وقعت السياط عليه مات ، فصلب بسرّمن‌رأى مع بابك الخرّمي على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة ، ووثب بقوهيان بعض خاصة أخيه ، فقتل بطبرستان ، وتولى طبرستان ، سهلها وجبلها ، عبد اللّه بن طاهر وطاهر ابنه بعده . والذي ارتفع من خراج طبرستان وكورها سنة ست وثلاثين ومائتين سوى الضياع من المورّق « 6 » أربعة آلاف ألف ومائتا ألف وثلاثة وسبعون ألف درهم « 7 » ، وجميع المراحل ببلاد طبرستان أيام الطاهرية مائتان وثلاثون . وليس « 8 » في بلاد الإسلام والكفر ناحية تقارب طبرستان في كثرة الإبريسم ، ومنها يرتفع الإبريسم وأكسية الصوف والبرنكانات العجيبة ، وليس في جميع الأرض أكسية تبلغ قيمة أكسيتهم ، والغالب على أهلها وفور الشعر واقتران الحواجب وسرعة الكلام والعجلة والطيش ، والغالب على طعامهم خبز الأرز وكذلك الديلم والجيل . ومما يوصف من كثرة ذخائر خرشيد الاصبهبذ ان رجلا من أهل خراسان أتى طبرستان فأهدى اليه ديكا من ذهب ، وفي عيني الديك ياقوتتان حمراوان لا يدرى ما قيمتهما ، فأكرمه وقبل هديته ، فكان ذلك الرجل يكثر أن يقول : حملت إلى الملك شيئا ليس
هامش
( 1 ) نزهة المشتاق : 270 . ( 2 ) انظر مادة ( الطاق ) . ( 3 ) فتوح البلدان : 416 ، وقارن بياقوت ( طبرستان ) . ( 4 ) الفتوح : فوهيار . ( 5 ) ع : ثلثاثون ، وفي البلاذري : يتتامّون . ( 6 ) ص ع : المورن . وانظر ابن خرداذبه : 35 . ( 7 ) انظر الخراج : 250 . ( 8 ) قارن بابن حوقل : 323 .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 384 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس