تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
الناس فاختلفوا ، فمن قائل يقول : نرجع إلى مرو ، وقائل يقول : نرجع إلى أبرشهر ، وقائل يقول : نقيم ونستمد ، وقائل يقول : نلقاهم فنناجزهم ، فلما أمسى الأحنف خرج يمشي في العسكر يسمع حديث الناس ، فمر بأهل خباء ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن ، وهم يخوضون ويذكرون العدوّ ، فقال بعضهم : الرأي للأمير ، إذا أصبح ، أن يسير حتى نلقى القوم حيث لقيناهم ، فإنه أرعب لهم فنناجزهم ، فقال صاحب الخزيرة أو العجين : إن فعل ذلك فقد أخطأ وأخطأتم ، أتأمرونه أن يلقى العدوّ مصحرا في بلاده ، فيلقى جمعا كثيرا بعدد قليل ، فإن جالوا جولة اصطلمونا ؟ ! ولكن الرأي له أن ينزل بين المرغاب والجبل ، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره فلا يلقى من عدوّه ، وإن كثروا ، إلّا عداد أصحابه ، فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال ، فضرب عسكره وأقام ، فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه ، فقال : إني أكره أن نستنصر بالمشركين فأقيموا على ما أعطيناكم ، فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم ، وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم ؛ قال : فوافق المسلمين صلاة العصر ، فعاجلهم المشركون فناهضوهم وقاتلوا وصبروا الفريقان حتى أمسوا ، والأحنف يتمثل :
أحقّ من لم يكره المنيّه * حزوّر ليست له ذرّيه
وقيل : قاتلهم حتى ذهب عامة الليل ، فهزمهم اللّه تعالى ، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى دسكرة « 1 » وهي على اثني عشر فرسخا من قصر الأحنف . وفي سنة سبع عشرة وستمائة نزل خاقان الططر على الطالقان ، وهي من معاقل خراسان ، فترك عليها عسكرا ، وسار إلى هراة ، فجرى فيها على عادتهم الذميمة من القتل والتخريب ، ثم عاد إلى الطالقان وهي محصورة ، فلما كان بعد عشرة أشهر من يوم حصارها ، وقد يئس أهلها من النصرة ، ولم يجدوا إلى الصبر ، رغبوا في الشهادة وخرجوا يدا واحدة على عساكر الططر ، فمنهم من تعلق بالجبال فسلم ومنهم من مات على سيفه ، وبعدها شرع خاقان في أخذ قواعد خراسان فأناخ على بلخ ، حسما ذكر في حرف الباء .

طالقة

« 2 » : مدينة بالأندلس بقرب إشبيلية ، وهي من المدن القديمة ، وكانت دار مملكة الأفارقة بالأندلس ، وكانت من مدن إشبيلية المتصلة بها في سالف الدهر وهي خراب ، إذ كان اشبان ابن طيطش غزا طالقة وحصر ملكهم بها حتى فتحها وتغلب على مملكتهم ، فهدم طالقة ونقل رخامها وآلاتها إلى إشبيلية ، وبه سميت ، واتخذها دار ملكه ، وكثرت جموعه فعلا في الأرض وغزا من إشبيلية إيليا بعد سنتين من ملكه ، خرج إليها في السفن ففتحها وهدمها ، وقتل من اليهود مائة ألف ، واسترق مائة ألف ، وفرّق في البلاد مائة ألف ، وانتقل رخام إيليا وآلاتها إلى الأندلس ، والغرائب التي أصيبت في مغانم الأندلس كمائدة سليمان التي الفاها طارق بن زياد بكنيسة طليطلة وقليلة الدر التي الفاها موسى بن نصير بكنيسة ماردة ، وغيرها من الذخائر ، إنما كانت مما صار لصاحب الأندلس من غنيمة بيت المقدس إذ حضر فتحها مع بخت نصر . وحكوا أن الخضر وقف باشبان هذا وهو يحرث الأرض في حداثته ، فقال له : يا اشبان ، انك لذو شان وسوف يحظيك زمان ، ويعليك سلطان ، فإذا أنت غلبت على إيليا فارفق بذرية الأنبياء ، فقال له اشبان : أساخر أنت ، رحمك اللّه ! ! أنّى يكون هذا وأنا ضعيف مهين ؟ ! فقال : قدر ذلك من قدر في عصاك اليابسة ما تراه ، فنظر اشبان إلى عصاه فرآها قد أورقت ، فريع لما رأى ؛ وذهب الخضر عنه وقد وقر ذلك الكلام في نفسه والثقة بكونه ، فترك الامتهان ، وداخل الناس وصحب أجلّ الناس ، وسما به جده فارتقى في طلب السلطان حتى نال منه عظيما ، وكان ملكه عشرين سنة ، واتصلت مملكة الاشبانيين إلى أن ملك منهم الأندلس خمسة وخمسون ملكا . وكانت بطالقة آثار عجيبة وعجائب غريبة ، فمن ذلك صورة جارية من مرمر لم يسمع في الأخبار ، ولا رئي في الآثار ، صورة أبدع منها في قالب جارية كاملة القد حسنة الجسم جميلة الوجه ، قد صور كل عضو من أعضائها وكل جارحة من جوارحها على على أتم ما يكون وأفضل ما يستحسن في جوارح المرأة ، وفي حضنها صورة صبي على مثل ذلك من الحكمة والاتقان ، وقد صورت حية تصعد من قدمها كأنها تريد نهش الصبي ، قسمت
هامش
( 1 ) الطبري : رسكن ، وابن خرداذبه : أرسكن ، وهي في بعض أصول الطبري « دسكر » . ( 2 ) بروفنسال : 122 ، والترجمة : 149 (Italica) ، وكثير مما جاء هنا قد ذكر قبلا في مادة « الأندلس » . وانظر النفح 1 : 134 ، 158 .
الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 381 | إحسان عباس / محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم ) / إحسان عباس