عند أحد من الخلق هو ، فانتهى الخبر إلى الاصبهبذ ، فأمر من الغد بنصب سماطين ، فأحضر أصحابه للشراب ، وأحضر الرجل الخراساني ، وأمر ألا يخرج بيومه ذلك من الجامات إلا ديكة مكللة من الجواهر ، ودفع إلى كل رجلين من السماطين ديكا من الديكة التي أخرجت من الخزائن ، فبهت الخراساني مما رأى ، وفطن أنه إنما عرّض به لما كان يكثر أن يقوله ، فقام فقال : أيها الملك ، أخطأت فأقلني ، فأمر له بصلة جزيلة وردّ ذلك الديك إليه ولم يقبله . وكانت خزائن الملوك كلها صارت إليه .
وطبرستان وجرجان وموقان وجيلان كلها وما والاها على ساحل الخزر .
ونزل الططر على طبرستان في سنة ست عشرة وستمائة واستولوا عليها قتلا ونهبا وتخريبا وفعلوا العظائم ، على عادتهم .
طبرمين
« 1 » : حصن بصقلية منيع ، بينه وبين مسيني مرحلة ، وهو بلد شامخ رفيع أزلي من أشرف البلاد ، وهو على جبل مطل على البحر ، وبه مرسى حسن ، والسفر إليه من كل الجهات ، ويحمل منه كثير من الغلّات وفيه منازل وأسواق ، وتجتمع فيه القوافل الواصلة من مسيني ، وبه ضياع صالحة ومزارع طيبة ، وبه معدن الذهب ، وبه الجبل المشهور المسمى بالطور « 2 » ، وأنهار غزيرة عليها أرحاء كثيرة ، وبها جنات قلائل ، وبها واد عليه قنطرة عجيبة يدل بناؤها على قدرة بانيها وقوة سلطانه ، وبها ملعب من ملاعب الروم القديمة تدل رسومه على شرف ملك وشماخة قدر .
وكانت طبرمين فتحت على يد إبراهيم بن أحمد بن الأغلب في سنة تسع وثمانين ومائتين ، بعد ان حاصرها ووقف بنفسه يحرض المسلمين على القتال ، ومسّ الفريقين ألم الجراح وهمّ كلّ بالانحياز ، فقرأ قارئ كان بين يدي إبراهيم
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
إلى آخر الآية ( الحج : 19 ) فحمل حينئذ جملة العسكر وأهل البصائر منهم بنيات صادقة ، فانهزم الكفرة وولوا هاربين ، وقتلهم المسلمون أبرح قتل ، واقتفوا آثارهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال ، ودخل إبراهيم ومن معه طبرمين بلا عهد ولا عقد ، فقتل وسبى والتجأ بعضهم إلى بعض القلاع ، وفي ذلك يقول شاعره :
قد فتح اللّه طبرمينا * في عام سبع وثمانينا
وشهر شعبان فأعظم به * شهرا يراه اللّه ميمونا
فأيّد اللّه إمام الهدى * وزاده عزا وتمكينا
ثم رحل طالبا لكل من بقلورية « 3 » من الروم بقتل وسبي فهربوا بين يديه ، ومضى [ إلى ] كشنته « 4 » فحاصرها ، فطلبوا الأمان وأداء الجزية ، فأبى ولم يجبهم ، وحلت به عليه علته التي مات منها ، وزادت العلة به فمات سنة تسع وثمانين ، وحمل إلى بلرم فدفن بها ، وأدى أهل كشنته الجزية وهم لا يعلمون بموته ، وكان فتحه لمدينة طبرمين « 5 » سنة سبع وثمانين ومائتين ، وقتل من أهلها بشرا عظيما ثم عفا عنهم ، وكان متولي حرب أهل بلرم ابنه أبو [ العباس ] « 6 » الذي كان جعله ولي عهده .
طبرية :
مدينة من بلاد الأردن بالشام ، بينها وبين عكا يومان ، وبنى هذه المدينة طيباريوس أحد ملوك الروم ، وإلى اسمه أضيفت فعربتها العرب حين افتتحت البلاد فقالت : طبرية . وهو الذي لخمس عشرة سنة من ملكه كان تعميد يشوع الناصري في نهر الأردن ، وزعموا أن المعمد له يحيى بن زكريا ابن خالة يشوع ، وهو عندهم عيسى عليه الصلاة والسلام .
وطبرية « 7 » مدينة جليلة على جبل مطل ، وهي طويلة في ذاتها قليلة العرض في طولها نحو ميلين . قال اليعقوبي « 8 » : وهي مدينة الأردن ، وهي في أصل جبل على بحيرة جليلة عذبة يخرج منها نهر الأردن المشهور وتحمل فيها الغلات إلى المدينة ، ويعمل بها من الحصر السامانيّة كل عجيبة ، وفيها حمّامات حامية من غير نار في الشتاء والصيف ، وبها عيون حارة يأتيها أصحاب البلاء من المقعدين والمفلوجين وأصحاب القروح فيقيمون بها في الماء ثلاثة أيام فيخرجون بارئين باذن اللّه سبحانه وتعالى .
وفي الخبر أن يأجوج ومأجوج يجتازون في خروجهم عليها
هامش
( 1 ) (Taormina) الإدريسي ( م ) : 27 .
( 2 ) لعله - حسب ترجيح أماري وسكيابار يللي - المسمّى (Monte Venerelia) أو (Casteloma)
( 3 ) ص ع : قفلورية .
( 4 ) ص ع : لشنته ؛ وهو تصحيف كما سبقت الإشارة .
( 5 ) ص ع : بلرم ؛ وهو سهو .
( 6 ) بياض في ص ع ، وزدناه اعتمادا على ما حققه الأستاذ رتزيتانو .
( 7 ) نزهة المشتاق : 115 ، وقارن بابن الوردي : 26 .
( 8 ) اليعقوبي : 327 .