وما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بمورق شعب رضوى * تراجعه الملائكة السلاما
وان له لرزقا من طعام * وأشربة يعل بها الطعاما
الرقة
« 1 » : مدينة بالعراق مما يلي الجزيرة ، وكل أرض إلى جانب واد ينبسط عليها الماء عند المدّ فهي رقة ، وبه سمّيت المدينة .
والرقة « 2 » واسطة بلاد مضر ، ومن مدنها الرها وسروج وشمشاط ورأس العين وغيرها ، والرقة على شارعة الفرات في الشمال منه ، وعليها سوران ، وهي في فحص يبعد عن الجبال على مسافة أكثر من يومين ، وفي شرقيها جبلان يسميان المنخرين .
وفتح الرقة عياض بن غنم « 3 » سنة ثمان عشرة ، فإنه لمّا مات أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف عياضا فورد عليه كتاب عمر رضي اللّه عنه بتوليه حمص وقنسرين والجزيرة فصار إليها في خمسة آلاف ، على مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي ، وعلى ميمنته سعيد بن عامر الجمحي ، وعلى ميسرته صفوان بن المعطل السلمي ، ويقال إن خالد بن الوليد رضي اللّه عنه كان على ميسرته ، ويقال أيضا إن خالدا رضي اللّه عنه لم يسر تحت لواء أحد بعد أبي عبيدة رضي اللّه عنه ولزم حمص حتى توفي سنة إحدى وعشرين .
فانتهت طليعة لعياض إلى الرقة فأغاروا على حاضر كان حولها للعرب وعلى قوم من الفلاحين فأصابوا مغنما ، وهرب من نجا من أولئك فدخلوا مدينة الرقة ، وأقبل عياض في عسكره حتى نزل ببابها المعروف بباب الرها في تعبئته ، ثم تأخر عنها لئلا تبلغه حجارتهم وسهامهم وركب فطاف حول المدينة ووضع على أبوابها روابط ، ثم رجع إلى عسكره وبث السرايا فآبت بالأسرى من القرى بالأطعمة الكثيرة ، فلما مضت خمسة أيام أو ستة وهم على ذلك أرسل بطريق المدينة إلى عياض يطلب الأمان [ وقال : الأرض لنا قد وطئناها وأحرزناها ] « 4 » ، فصالحه عياض على أن أمّن جميع أهلها على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم فأقرها في أيديهم على الخراج ، ووضع الجزية على رقابهم وألزم كلّ رجل منهم دينارا في كلّ سنة وقمحا وشيئا من زيت وخلّ وعسل ، ويقال إن عمر رضي اللّه عنه كتب إليه فألزم كل امرئ منهم أربعة دنانير كما ألزم أهل الذهب ، وفتحوا أبواب المدينة وأقاموا للمسلمين سوقا وكتب لهم عياض كتابا .
وكان أبو جعفر « 5 » المنصور شخص إلى بيت المقدس فصلّى فيه ثم انثنى إلى الرقة فأتى فيها منصور بن جعونة فقتله ، وسبب ذلك ان المنصور قال فيما يقول : إن اللّه تعالى قد رفع الطاعون عن الشام ببركتنا ويمن ولايتنا ، فقال له : ما كان اللّه ليجمعكم والطاعون في بلد .
وبالرقة قتل أنس بن أبي شيخ « 6 » وصلب ، وكان أحد البلغاء ، وكان انقطاعه إلى جعفر بن يحيى ، وكان يرمى بالزندقة ، وحضر عرسا لجعفر فجعل أنس يذكر أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونسلهم حتى ذكر فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسوء ، والبيت غاصّ بوجوه الناس ، قال معاوية بن بكير : فقمت إليه فقلت :
يا ابن الزانية ، وأخذت بحلقه ورميت به تحتي وأقبلت أخنقه وهو يصيح : قتلني وأيم اللّه ، لو كان معي سيفي لقتلته ، قال : فخليت عنه ، فبلغ الخبر الرشيد ، فلما خرج الرشيد إلى الرقة نظر إلي يوما فقال : يا معاوية ، قلت : لبيك يا سيدي ، ثم التفت فقال :
يا سنديّ علي بأنس بن أبي شيخ ، وذكر ما كان بيني وبينه ، فأحضر ودعاني فأمرني فضربت عنقه وصلبه ، وكان الرشيد لما انصرف عن الري اجتاز ببغداد فطواها ولم ينزلها وجعلها طريقه إلى الرقة فأمر باحراق جثة جعفر بن يحيى عند اجتيازه بها ، وبالرقة توفي يحيى بن خالد في حبسه بها سنة تسع وثمانين ومائة وصلّى عليه ابنه الفضل قبل خروجه . وفيها مات عبد الملك بن صالح « 7 » بن علي فدفن بقصر الرشيد بالرقة وكان من أفصح بني هاشم في أيامه ، ويقال إن الرشيد لما دخل منبج قال : لمن هذا ؟
يعني بستانا وقصرا أعجباه ، فقال : هو لك ولي بك ، قال :
هامش
( 1 ) معجم ما استعجم 2 : 666 .
( 2 ) نزهة المشتاق : 196 .
( 3 ) فتوح البلدان : 206 .
( 4 ) زيادة من فتوح البلدان .
( 5 ) الطبري 3 : 129 .
( 6 ) انظر في قتله الطبري 3 : 680 ، وفي أخباره الجهشياري 238 - 240 .
( 7 ) مروج الذهب 6 : 437 وبعض أخباره 6 : 302 - 305 ، وانظر ابن خلكان 6 : 30 .