وابن سبعين يفتح باب الرجاء على مصراعيه ، فلا يقنط الإنسان من رحمة الله في أي وقت من أوقاته ، ولذلك قال الله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
« 1 » . يضاف إلى ذلك أن ابن سبعين يتصور الرحمة الإلهية مطلقة لا يحدها شيء ، ومن ثم لا مجال للقول بأنها معللة بشيء من جانب الإنسان ، ومن هنا أنكر ابن سبعين . . . أن تكون أفعال الإنسان علة في الثواب والعقاب ؛ لأن الله لا يجب عليه شيء ولو شاء لأدخل الجميع جنته ولا راد لمشيئته ، ولذلك قال ابن سبعين : « صح أن الرحمة هي الفاعلة ، ولها يرجع ، ولا يعتبر العمل الإنساني معها ، وبها يدخل الكل الجنة ، فإن الله لا يجب عليه شيء » .
وهذا الذي يقول به ابن سبعين هو غاية التأدب مع الله ، وليس فيه ما يتعلق من قريب أو بعيد بإسقاط التكليف » « 2 » .
[ مبحث صوفي - 2 ] : الرحمة في مفهوم الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره
تقول الدكتورة سعاد الحكيم :
« حار قراء ابن عربي المقربون في لمس الخيط الجامع بين كلمتي ( رحمة ووجود ) وفي السببية التي أخرج بها الرحمة من دائرة الشفقة والرضى ( ناحية لغوية خلقية ) لصبغها صبغة ميتافيزيقية ( رحمة / وجود ) .
ولإلقاء ضوء على هذه النقطة لا بد من الرجوع إلى بدء خلق العالم وإيجاده كما يتصوره شيخنا الأكبر ، فهناك مفتاح تلك النقلة .
ونكتفي من ( بدء الخلق ) بموقف واحد معين يبين مرادنا على أن نقتسمه بين طرفين ( طبعاً قسمة اعتبارية ، فكل ثنائية عند ابن عربي هي تمييز اعتباري لا أكثر ) : الذات الإلهية من ناحية والأسماء الحسنى من ناحية ثانية .
هامش
( 1 ) - الزمر : 53 .
( 2 ) - د . أبو الوفا الغنيمي التفتازاني ابن سبعين وفلسفته الصوفية - ص 407 402 .