ولا يصح مع هذه الرحمة بالمعنى الأخير أن تتعبر الأفعال الإنسانية ، فالأفعال الإنسانية خيراً كانت أو شراً ، طاعة كانت أو معصية لا توجب على الله شيئاً ، وإن شئت قلت : أن أفعال الله لا يمكن أن تكون معللة بشيء من جانب الإنسان . . .
ويفرق ابن سبعين في مسألة الثواب والعقاب بين قصدين : القصد الشرعي والقصد العقلي .
القصد الشرعي يتضمن التفرقة بين الثواب والعقاب أو الخير والشر .
أما القصد العقلي فلا مجال فيه للتفرقة بين هذه الأمور ؛ لأن الرحمة الإلهية يندرج تحتها الكل ويدخل فيها الجميع . . .
ولعل هذه الآراء التي ذهب إليها ابن سبعين من أن الرحمة الإلهية هي الفاعلة في الوجود ، وكما تشمل المؤمن تشمل الكافر ، وكما تتعلق بالمطيع تتعلق بالعاصي ، وبمقتضاها يدخل الكل الجنة ، وأن هناك فرقاً بين القصد الشرعي والقصد العقلي في ذلك ، كانت سبباً في هجوم الفقهاء على ابن سبعين ، ومنهم ابن تيمية الذي اعتبره قائلًا بإسقاط التكليف ، وقرنه في هذا الشأن بصوفيين آخرين . . . هما ابن عربي وابن الفارض .
وسبب قول هؤلاء جميعاً بإسقاط التكليف في رأي ابن تيمية هو قولهم بالوحدة الوجودية ، فهم يعتقدون أنه ما ثم عبد ولا وجود إلا وجود الرب ، فمن المكلف ؟
والواقع أن ابن تيمية غير مصيب في نسبته إسقاط التكليف إلى ابن سبعين ؛ لأن ابن سبعين يصرح في مواضع كثيرة من مصنفاته بضرورة التزام الشريعة والتقيد بأحكامها وتقديمها على الحقيقة . . . وهو يرى أيضاً أن التقيد بالشريعة شرط في السعادة . . .
وكل ما في الأمر عند ابن سبعين أنه يذهب إلى القول بأن الرحمة الإلهية سارية في الوجود كله ، وأنها تشمل جميع الكائنات مصداقاً لقوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
« 1 » ، فكما تسع المؤمن تسع الكافر ، وكما يدخل فيها المطيع يدخل فيها العاصي ،
هامش
( 1 ) - الأعراف : 156 .