والانفصال ، فإن في الحسرة على ما فات استدراك ما هو آت .
قال صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم : ( إذا أراد اللَّه بعبد خيراً حبب إليه طاعاته وبغضه معاصيه ) « 1 » .
قال أبو العباس : ولقد صحبت أبا يزيد [ البسطامي ] سنين فما رأيته نام منطرحاً إلا يسيراً ، وطالما صلى الصبح بطهارة العشاء ، غير أنه كان يتحسر على ما مضى من أيام وسالف اجتهاده .
ث فأما الهوى فله أيضاً ثلاث منازل :
أولها : الخضوع والهوان طمعاً في الرضا والرضوان ، فإن من طلب رضى الحبيب أكرم في المشهد والمغيب .
قال أحمد بن يحيى : سُئلت أعرابية عن معنى الهوى فقالت : هو الهوان ، وإنما غلط باسمه ، ويعرف ما أقول من أبكته المعالم والطلول . وأنشدت :
ليت الهوى لذوي الهوى لم يخلق * أرأيت قلباً بالهوى لم يعلق
إن الذي علق الهوى بفؤاده * في ذلةٍ وتملق وتقلق
إن الهوى لهو الهوان بعينه * ما ذاق طعم الذل من لم يعشق
ثم ينتقل منها إلى منزلة بذل المهج في الطاعة ، وقتل النفس ولو في الساعة ، فإن علامة المحبة طاعة المحبوب ، وبذل المحبة في رضا المطلوب .
روي أن أبا يزيد كان لا يخرج من مصلاه إلا لضرورة ، فسئل عن ذلك . فقال : رباع الأحباب محبوبة ، وأطلال الآمال مطلوبة ، وفيها يتضوع نسيم المحبوب ، ومنها ترتجى راحات القلوب .
ثم ينتقل منها إلى منزلة الصبر والبكاء ، فمن صبر ظفر ، ومن باح استراح .
سئل مالك بن دينار عن الطريق إلى رضى الحبيب .
فقال : إن أول الأمر مبني على الصبر والبكاء ، ووسطه على الخوف والرجاء ، وآخره على التسليم والرضا ، ثم الحبيب يفعل ما يشاء .
هامش
( 1 ) ورد بصيغ أخرى في صحيح ابن حبان ج 2 ص 54 ، ص 55 وغيرها ، أنظر فهرس الأحاديث .