وإذا كان كثيرا من سباع الطيور والبهائم أمكن ترويضها وتبديل كثير من صفاتها فالإنسان الذي كرمه اللَّه تعالى بالعقل وخلقه في أحسن تقويم من باب أولى .
وليس المراد من مجاهدة النفس استئصال صفاتها ، بل المراد تصعيدها من السيئ إلى الحسن ، وتسييرها على مراد اللَّه تعالى وابتغاء مرضاته .
فصفة الغضب مذمومة حين يغضب المرء لنفسه ، أما إذا غضب لله تعالى فعندها يصبح الغضب ممدوحاً ، كما كان رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم يغضب إذا انتهكت حرمات اللَّه أو عُطِّلَ حد من حدوده ، ولكنه حين أوذي في اللَّه وضُرب وأدمي عقبه يوم الطائف لم يغضب لنفسه ، بل دعا لمن آذوه بالهداية والتمس العذر فقال : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) « 1 » . وكذلك صفة الكبر فهي مذمومة حين يتكبر المسلم على إخوته المسلمين ، أما حين يتكبر على المتكبرين الكافرين فتصبح هذه الصفة محمودة ، لأنها في سبيل اللَّه وضمن حدود شرعه . وهكذا معظم الصفات المذمومة تحول بالمجاهدة وتُصعد إلى صفات ممدوحة . فمجاهدة النفس فَطمُها وحَملها على خلاف هواها المذموم ، وإلزامها تطبيق شرع اللَّه تعالى أمراً ونهياً .
الأدلة على مشروعية المجاهدة :
أ - من القرآن الكريم :
قال تعالى : (
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
) « 2 » .
قال العلامة المفسر القرطبي في تفسير هذه الآية : ( قال السدي وغيره : إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال ) ، وهذا يدل على أن المراد بالجهاد هنا هو جهاد النفس ، كما قال العلامة المفسر ابن جزي في تفسيرها يعني ( جهاد النفس ) .
ب - من السنة الشريفة :
عن فضالة رضي اللَّه عنه قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم : ( المجاهد من جاهد نفسه في اللَّه ) « 3 »
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 3477 ) .
( 2 ) العنكبوت : 69 .
( 3 ) أخرجه الترمذي ( 1621 ) وقال حديث حسن صحيح .