تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
والمحير . وما يزال عامة المسلمين حتى يومنا هذا يتساءلون أن كيف يكون الإنسان مخيراً مع سبق اللَّه بالعلم لما سيفعله ؟ فالحرية تستوجب بالفعل ضرورة عدم إمكان الحكم مسبقاً على ما سيكون الفعل ذاته ، وإلا لبطلت كونها حرية . فكيف يمكن الجمع بين مدلول كلمة الحرية وعلم اللَّه المسبق للفعل الإنساني ؟ ويقول الصوفيون : أن الإنسان مجبور على الاختيار ، وهو قول ينبغي تفسيره لتناقضه الظاهري . فعين الإنسان ذاته ، ولعين الإنسان عين هي الذات الإلهية ، والفكر مستند أصلا إلى الذات ، والذات الإنسانية مستندة أيضاً إلى الذات الإلهية . وعند التفكر قبل مباشرة العمل ، يعيش الفكر عملية اختيار تبتُّه الذات الإنسانية ، التي هي الذات الإلهية ، طبقاً لإشعاع الصفة التي هي اسم من أسماء اللَّه الحسنى . ومن هنا قالت الصوفية : أن الإنسان مجبور على الاختيار . فمهما فكر الفكر فالحكم للذات التي هي عين العيان ، ومهما فكرت الذات فالحكم أخيراً لذات الذات التي هي عين العين . فشعاع الشمس إذا وقع على شيء ما في غرفة مظلمة أضاءه ، أما ما ظل بمنأى عن شعاع الشمس فهو مظلم بالضرورة . وبعد فهل نسمي هذا التفسير الصوفي لفعل الإنساني جبراً أو اختياراً ؟ الحقيقة أن الصوفيين يثبتون اللَّه وينفون ما عداه . ولهذا قالوا أن الفعل لله والكسب للعبد . وقالوا تقادير غيب تجلت على قلوب البرايا بخير وشر . ونفوا أن يكون إبليس خرج عن طاعة اللَّه بغير علم اللَّه مسبق ، ووصموا من جعلواً للخير إلهاً وللشر إلهاً بالشرك وقالوا : إنهم إثنينيون . فالجبرية عين الحرية ، والماء المتفجر من النبع عينه الينبوع . فنوع الماء ودرجة عذوبته أو ملوحته وصفاؤه أو كدورته . هذا كله أملاه نوع الينبوع المتفجر منه الماء . لهذا ضرب اللَّه مثلا لعين الإنسان بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة ، وكل من عند اللَّه . فعينك ماهيتك ، سابقة عليك ، متحكمة بك وبخواطرك ، إن اتجهت يميناً فعينك يمينية ، وإن قصدت شمالًا فعينك شمالية . وعينك إن كانت زرقاء أرتك السماء زرقاء ، وإن كانت سوداء رأيتها سوداء حتى وإن كانت زرقاء . فالعبرة العين الرائية لا المنظر المرئي . لذا اختلفت
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 159 | الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني