على اسم ( محمد ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، فهذا الكتاب نزل من اللَّه على لسان جبريل إلى محمد صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم .
والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة ، فينتبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه ، واستغنائه عن الجميع .
ويقال : يتذكر العبد المخلص من حالة الألف تقدس الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان ، فإن سائر الحروف لها محل من الحَلق أو الشفة أو اللسان إلى غير ذلك من المدارج غير الألف فإنها هويته ، لا تضاف إلى محل .
ويقال : الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى . فيكون كالألف لا يتصل بحرف ، ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه .
ويقال : يطالب العبد في سره عند مخاطبته بالألف بانفراد القلب إلى اللَّه تعالى ، وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في ( مراعاة ) حقه ، وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه .
ويقال : اختص كل حرف بصيغة مخصوصة ، وانفردت الألف باستواء القامة ، والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف ، فجعل لها صدر الكتاب : إشارة إلى أن من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظي بالرتبة العليا ، وفاز بالدرجة القصوى ، وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة ، على سنة الأحباب في ستر الحال » « 1 » .
ويقول الإمام فخر الدين الرازي :
« الألف : إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة في أول الأمر ، وهو رعاية الشريعة قال تعالى : (
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
) « 2 » واللام : إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات ، وهو رعاية الطريقة قال اللَّه تعالى : (
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
) « 3 »
هامش
( 1 ) الإمام القشيري - تفسير لطائف الإشارات - ج 1 ص 65 - 66 .
( 2 ) فصلت : 30 .
( 3 ) العنكبوت : 69 .