الحمقى ، والأحمق هو المتفائل الذي لا مبرر لتفاؤله . ومذهب التشاؤم يؤكد على الألم ، بدعوى أنه طابع الوجود وقانون الحياة . وفلاسفة التشاؤم ينكرون أن تكون هناك عناية إلهية ، وإن كان هناك إله فهو قد خلق العالم وتركه وشأنه ، واللّه في زعم هؤلاء لا يكترث بالإنسان ، ولا بخيره ولا سعادته . وأكبر ممثل لمذهب التشاؤم في الفلسفة العربية : أبو العلاء المعرى ( 979 - 1058 م ) ؛ وفي الفلسفة الغربية : شوبنهاور ( 1788 - 1860 ) ، والأول قال :
وزهدّنى في الخلق معرفتي بهم * وعلمي بأن العالمين هباء !
والثاني قال : السعادة وهم ، وهي إمكانية معلّقة على سبيل الإغراء بالبقاء في هذا الشقاء ، والألم يخترم حياتنا ، والهمّ والجزع ، وإذا حاولنا التخفيف عمّا نعانى من ألم دخلنا في ألم جديد ، ونحن باستمرار ندور في عجلة الألم ! .
والقرآن فيه من التشاؤم والتفاؤل معا ، فالوجود جدلى وفيه الليل والنهار ، والأبيض والأسود ، واليسر والعسر ، فلا الليل يسبق النهار ، ولا النهار يسبق الليل ، ولا السواد يعمّ الكون ، ولا البياض هو لونه الغالب ، واللّه يقول :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
( الشرح 6 ) ، فقرن العسر باليسر ؛ ويقول :
سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
( الطلاق 7 ) ، ويقول :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
( البقرة 185 ) ؛ ومع ذلك فإن من التشاؤم قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
( البلد 4 ) ، والكبد هو الشقاء ، وقوله :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
( الأحقاف 15 ) ، والكره هو المعاناة والتعب يكونان في الحمل ، فمنذ البداية والإنسان يولد في مشقة ، ويعيش في مشقة ، وفي الحمل تقاسى الأم الوحم والغثيان والثقل والكرب ، وعند الوضع كأنما النفس تشقّ نفسين ، والجسم ينقسم إلى اثنين ، ويتعذب الطفل - كعذاب الأم - من الطلق والدفع ، ويبدأ الحياة أول ما يبدأها بالبكاء . وتلخص الآية :
وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( العصر 1 / 2 ) حياة الإنسان على الأرض خلال عمره كله ، فهو دائما إلى خسران . وأما التفاؤل فهو في مثل هذه الآية :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( العصر 3 ) ، كما في مذهب أفلاطون ، فالروح في اتصالها بالبدن المادي تتدنى وتنحط بسبب الشهوات والرغبات التي يفرضها عليها البدن ، ولذلك فمن الواجب على الإنسان أن يتحرر من البدن قدر استطاعته فيحرر الروح ، ومقابل الفيلسوف فإن الإسلام يقول بالمؤمن ، وصفات الفيلسوف أن يحرز الحكمة والفضائل ، وصفات المؤمن الإيمان ، وأن يعمل الخير ، ويدعو إلى الحق ، وأن يصبر ويكون قدوة للآخرين في الصبر . وصفات المؤمن أروع من صفات الفيلسوف ، لأن حكمة الفيلسوف وفضائله لذاته ولا شئ منها للناس ، ثم إن أفلاطون يدعو