مسعدة ، ولا عن كافة ذويها معرضة ، لأنّ إعراضها عن جميعهم عطب ، وإسعادها لكافتهم فساد ، لائتلافهم بالاختلاف والتباين ، واتّفاقهم بالمساعدة والتعاون . فإذا تساوى حينئذ جميعهم ، لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا ، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا ، فيذهبوا ضيعة ، ويهلكوا عجزا . وأمّا إذا تباينوا واختلفوا ، صاروا مؤتلفين بالمعونة ، متواصلين بالحاجة ، لأنّ ذا الحاجة وصول ، والمحتاج إليه موصول .
( الماوردي ، أدب الدين والدنيا ، 119 ، 3 ) .
* في الفكر النقدي
- هناك نوعان من الاختلاف : اختلاف داخل المعتقد الواحد ، إلّا أن الأطراف المختلفة تسلّم مع ذلك بمجموعة من الثوابت العقائدية المشتركة ، ويكون الاختلاف في مستوى التأويل . فهناك نصوص واحدة ، إلّا أنها تؤدّي إلى تعدّد المعنى ، تؤوّل تأويلات مختلفة تقام عليها أنساق من المذاهب .
هكذا تكوّنت مذاهب الفقهاء وفرق المتكلّمين . هذا النوع من الاختلاف الدائر داخل العقيدة الواحدة سوف نعرض له . إلّا أننا اهتممنا خاصّة بنوع آخر من الاختلاف :
اختلاف مفكّري الإسلام مع الأطراف المناقضة لهم ، أي اختلاف بينهم وبين الذين هم خارج دائرة المعتقد المشترك . هناك كيفيات ومستويات متعدّدة للاختلاف ، إلّا أن في المجتمعات التقليدية يظلّ جوهر الاختلاف يمثّله الاختلاف الديني . وفي المجتمع الإسلامي التقليدي أعطى الدين السائد لأديان دون غيرها شرعية وحدود التواجد معه ، وهي « الأديان الكتابية » ، وما عداها من عقائد فلا شرعية له . إلّا أن هذه العقائد التي لا شرعية رسمية لها وجدت مع ذلك ، وكان لأتباعها في بعض الفترات نشاط بل نفوذ داخل جهاز الدولة . وقد جرى جدل بين هؤلاء وبين المسلمين نشأت عنه مناظرات عقائدية ، بل إنه قد كيّف تكوين بعض المذاهب الفكرية الدينية وعلى رأسها مذهب المعتزلة . ( علي أومليل ، شرعية الاختلاف ، 3 ، 6 ) .
- النظام الديمقراطي يسلّم بالاختلاف ويشرّع له وينظّمه ويبني عليه . . . إن الاختلاف في المفهوم الديمقراطي ليس تفتيتا وتجزئة ، بل هو بديل عن كل استبداد مغلّف بغلاف « الوحدة » حين تكون هذه الأخيرة مجرّد تغطية للانفراد بالسلطة . . . الاختلاف هو الشرط الأولي لتأسيس تقاليد الحوار ، ولقيام المشروع الاجتماعي المبني على الوفاق العام بين أطراف متعدّدة ، مع ضمان حرّية الرأي والتنظيم والمشاركة . ( علي أومليل ، شرعية الاختلاف ، 10 ، 14 ) .
- الاختلاف لا يمكن فهمه إلّا بوصفه نتاجا للعقل والتاريخ ، أي بكونه قد نشأ عن اختلاف الظروف والشروط ، وتفرّق الأهواء ، وتباين الطرق . فهو ليس علامة خطأ أو انحراف ، بل شاهد على ناسوتية الشرائع والعقائد ، إلّا إذا اعتقدنا مع كل فرقة بأن مذهبها ، وحده ، هو الصحيح والمطابق للشريعة والوحي . والتسليم بذلك معناه ومآله أن يضع كل واحد نفسه في دائرة الإيمان ،