والمداراة ولا يحمّلها أزيد من طاقته وحاله .
الفناء :
من الملاحظ أنّ العلم يورث العمل والعمل يورث العلم ولا مشكل في ذلك حيث إنّ العلم الذي يولّد العمل سنخ علم يختلف عن العمل الذي ينتج عن العمل ، فالعلم السابق مجموعة من المفاهيم والاصطلاحات . وبعبارة أخرى هو علم حصولي كسبي ولا يعتبر كمالا ما لم يكن مولّدا للعمل المسانخ له ، بينما العلم الآخر اللاحق فإنّه العلم الذي ينكشف به ملكوت السماوات والأرض وهو اليقين بمعنى الشهود والرؤية ، وهو غير اليقين الذي في المنطق والأصول الذي هو حصولي يكون قبل العمل ، ولا بدّ أن يعرف أنّ اليقين شيء والعلم باليقين شيء آخر ، فالشجاعة هي التي تترتّب عليها الآثار لا العلم بها ، فالإنسان يكون شجاعا باتّصافه بالشجاعة لا بعلمه بها يكون شجاعا . فاليقين بمعنى الشهود والرؤية القلبية هو الغاية وهو منشأ الآثار ،
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر :
99 ] حتّى يصل الإنسان إلى هذه الغاية من خلال الالتزام بالشرع الأقدس .
وأما الروايات التي فسّرت اليقين في هذه الآية بالموت إنّما كان الموت مصداقا من مصاديق الآية ، إذ بالموت تنكشف الأشياء انكشاف مشاهدة فهو تطبيق وليس تفسيرا على حدّ اصطلاح العلّامة الطباطبائي رحمه اللّه ، فتحصّل أنّ العلم تارة يكون وسيلة للعمل وأخرى يكون غاية مترتّبة على العمل وأحدهما غير الآخر .
مراتب التجرد :
يقول صدر المتألهين في توضيح التجرد : « ثم إنك قد علمت مرارا أن الأشياء ذوات الطبائع متوجهة إلى كمالاتها وغاياتها ، فاعلم أن الإنسان من جملة الأكوان الطبيعية مختص بأن واحدا شخصيا من نوعه قد يكون مترقيا من أدنى المراتب إلى أعلاها ، مع انحفاظ هويته الشخصية المستمرة على نعت الاتصال ، وليس سائر الطبائع النوعيّة على هذا المنهاج ؛ لأن المادة الحاملة لصورتها تنفصل عنها إلى صورة أخرى من نوع آخر منقطعة عن الأولى ، فلا تنحفظ في سائر التوجهات الطبيعية هوياتها الشخصية ، بل ولا النوعية أيضا ، بخلاف الشخص الإنساني ؛ إذ