كونها مفيدة للعمل . فالجزئية كالعلم بأحكام الصلاة والزكاة وما أشبههما من جزئيات الفرائض والسنن . والكلية كالعلم بالأصول التي تبنى عليها هذه الفروع من الكتاب والسنّة والإجماع . والعلم بالأحكام الحاصلة عن هذه الأصول على الإطلاق وأقسامها ، وما يلحقها من حيث هي أحكام . وإما معرفة تعطي القوانين والأحوال التي بها يتسدّد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين ، كالعلم بالدلائل وأقسامها ، وبأي أحوال تكون دلائل وبأيّها لا ، وفي أي المواضع تستعمل النقلة من الشاهد إلى الغائب وفي أيّها لا . وهذه فلنسمّها سبارا وقانونا ، فإنّ نسبتها إلى الذهن كنسبة البركار والمسطرة إلى الحس في ما لا يؤمن أن يغلط فيه . ( ضف ، 34 ، 10 )
- بيّن أنه كلما كانت العلوم أكثر تشعّبا ، والناظرون فيها مضطرّون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطرّ إليها من تقدّمهم ، كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر . ( ضف ، 35 ، 8 )
علوم الآخرة
- مقصود الشرع إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق . والعلم الحق هو معرفة اللّه تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه ، وبخاصة الشريفة منها ، ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي . والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة ، وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء . والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمّى " العلم العملي " .
وهذه تنقسم قسمين : أحدهما أفعال ظاهرة بدنية ، والعلم بهذه هو الذي يسمّى " الفقه " ، والقسم الثاني أفعال نفسانية ، مثل الشكر والصبر ، وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع أو نهى عنها . العلم بهذه هو الذي يسمّى " الزهد " و " علوم الآخرة " .
( ف ، 50 ، 5 )
علوم إلهية
- معظم ما استفاد هذا الرجل ( الغزالي ) من النباهة وفاق الناس فيما وضع من الكتب التي وضعت فيها إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن تعليمهم . وهبك إذا أخطأوا في شيء فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا . ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها ، وهو معترف بهذا المعنى وداع إليه ، وقد وضع فيها التآليف ويقول : إنه لا سبيل إلى أن يعلم أحد الحق إلا من هذه الصناعة ، وقد بلغ به الغلو فيها إلى أن استخرجها من كتاب اللّه تبارك وتعالى .
أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها حتى فاق أهل زمانه وعظم في ملّة الإسلام صيته وذكره أن يقول فيهم هذا القول وأن يصرّح بذمهم على الإطلاق وذم علومهم ؟ وإن وضعنا أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية فإنّا إنما نحتجّ على خطأهم من القوانين التي علّمونا إياها في علومهم المنطقية ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق ، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان ذلك كافيا في مدحهم ، ومع أنه لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به وليس يعصم