الطبيعي ، إن وجوده بالنسبة للإنسان لم يكن على الضرورة ، بل من أجل الأفضل . وما كان وجوده على الأفضل فهو أفضل مما وجوده من أجل الضرورة . ولذلك كان هذا الجزء من النطق العقل ، أعني العملي ، من أجل النظري ضرورة . وهذا مطابق أمره لما يقال هنا . وذلك أنه بيّن أن هذه الصنائع إنما وجدت أصلا لما ترتّب عنها من أفعال ، وأفعالها وجدت للخلق ، وعليه فالرجل ( - الصانع ) من جهة أنه قنية ( مملوك ) لهذه الصنائع فهو مسود مستعبد وغيره سيّد .
والسيّد إنما يكون سيّدا باستعداد فيه هو به أفضل من المسود . ولما كان ذلك كذلك ، فإن هذا الاستعداد ليس شيئا آخر غير ذلك الجزء من العقل المسمّى نظري ، لأنه ( - الاستعداد ) هو ما به يكون هذا الجزء من العقل سيّدا على الجزء الآخر ، أعني على العملي ، في نفس الفرد . وعلى هذا النحو عينه يكون سيّدا من كان على استعداد لقبول العلوم النظرية ، على من اكتفى بالفطرة في الصنائع العملية . ولذلك فأمثال هؤلاء هم خدّام بطبع وهم مسودون بطبع ، إذ نسبة الجزء الواحد من هذين الجزئين في النفس إلى الجزء الآخر هي بالضرورة هذه النسبة ، أعني نسبة السيّد إلى المسود . ( ضس ، 149 ، 8 )
- العلوم النظرية والصنائع العملية إنما هي تحت جنس واحد ، وإنما يختلفان خسّة وشرفا . ولعلّ هذا مذهب كثير من متفلسفة زماننا هذا ممن يقف عند بادئ الرأي دون النظر على ما يقتضيه الطبع وتحصيل الصناعة . ( ضس ، 150 ، 17 )
- الصنائع العملية ، سواء كانت بالقوة أو بالفعل ، رئيسية أو خادمة ، إنما وجودها من أجل العلوم النظرية ( ضس ، 152 ، 7 )
صنائع فاعلة
- لما كانت الصنائع الفاعلة ، بما هي صنائع فاعلة ، تشتمل على ثلاثة أشياء : أحدها معرفة موضوعاتها ، والثاني معرفة الغايات المطلوب تحصيلها في تلك الموضوعات ، والثالث معرفة الآلات التي بها تحصل تلك الغايات ، في تلك الموضوعات ، انقسمت باضطرار صناعة الطب أولا إلى هذه الأقسام الثلاثة . فالقسم الأول الذي هو معرفة الموضوعات ، تعرف فيه الأعضاء التي يتركّب منها بدن الإنسان ، البسيطة والمركّبة ، ولما كانت الغاية المطلوبة هاهنا صنفين :
حفظ الصحة ، وإزالة المرض ، انقسم هذا الجزء إلى قسمين : أحدهما تعرف فيه ما هي الصحة بجميع ما به تتقوّم ، وهي الأسباب الأربعة التي هي : العنصر ، والصورة ، والفاعل ، والغاية ، وجميع لواحقها . والقسم الثاني : يعرف فيه ما هو المرض أيضا بجميع أسبابه ولواحقه . ولما كان أيضا ليس في معرفة ماهية الصحة ، والمرض كفاية في حفظ هذه ، وإزالة هذا انقسم هذان الجزءان أيضا إلى جزئين آخرين : أحدهما يعرف فيه كيف تحفظ الصحة ، والثاني كيف يبطل المرض .
ولما كانت الصحة أيضا والمرض ليسا بيّنين بأنفسهما من أول الأمر احتيج أيضا إلى تعرّف العلامات الصحية والمرضية ، وصار هذا أيضا أحد أجزاء هذه الصناعة . ( كط ، 19 ، 13 )