سياسات المدن الفاضلة
- إن أفلاطون يرى أن السياسات البسيطة التي تنشأ عليها هذه المدن ( الفاضلة ) هي في الجملة خمسة أنواع : النوع الأول السياسة الفاضلة التي تقدّم الكلام فيها ، والثاني رياسة الكرامة ، والثالث رياسة الرجال القلّة وهي خدمة المال وتعرف أيضا برئاسة الخسّة .
والرابع الرياسة الجماعية ، والخامس رياسة وحدانية التسلّط . فإذا قسّمت الرياسة الفاضلة إلى رياسة الملك ورياسة الأخيار ، صارت الرئاسات أنواعا ستّة . فإذا قام بهذه السياسة من اجتمعت فيه خمسة شروط ، وهي :
" الحكمة والتعقّل التام ، وجودة الإقناع ، وجودة التخييل ، والقدرة على الجهاد ببدنه ، وأن لا يكون في بدنه شيء يعوقه عن مزاولة الأشياء الجهادية " ، فذاك هو الملك على الإطلاق ، وسياسته هي سياسة الملك الحق .
أما إذا لم " يوجد إنسان اجتمعت فيه هذه كلها ، ولكن توجد متفرّقة في جماعة بأن يكون أحدهم يعطي الغاية ، والثاني يعطي ما يؤدّي إلى الغاية ، والثالث تكون له جودة الإقناع " ، والرابع تكون له جودة التخييل ، والخامس يكون له القدرة على الجهاد ، فيتعاونون جميعا على إيجاد هذه السياسة وحفظها ، فهؤلاء هم الذين " يسمّون الرؤساء الأخيار وذوي الفضل ورئاستهم تسمّى رئاسة الأفاضل " . ( ضس ، 169 ، 2 )
سياسة أصحاب الخسّة
- أما سياسة أصحاب الخسّة ( أو النذالة ) فهي السياسة التي يحرص أصحابها على جمع الخراج والثروة والأخذ من ذلك بما يفوق مقدار الحاجة ، ينفقون منه على أنفسهم بإسراف ، ولا يشركون في ذلك أحدا ممن هو خارج عنهم . واليسار نوعان : يسار بالطبع ويسار بالوضع . فاليسار بالطبع هو الذي يطلب به الإنسان كمال النقص الحاصل في وجوده بغيره . ويكون ذلك في المطعم والملبس ، وكذا في أماكن سكن الإنسان ، أو بالتوسّع في امتلاك هذه وفي آلات الصنائع الخادمة لهذه الأشياء ، وبعد ذلك في المواد التي تكون بها هذه الأشياء . وأما اليسار الذي بالوضع فهو الدنانير والدراهم وما يقوم مقامها . وهذه لا تكمل النقص الطبيعي في الإنسان ، ولذلك لا توجد في جميع المدن ، وإنما تدعو الحاجة إليها في المدن الجماعية عند المعاملات المالية وعند وجود وسيط .
ولذلك كانت الدراهم والدنانير رسما ملائما لأي مال اتّفق ، إذا ما استحب ذلك من عرف بتعادل القيم . وهي أيضا رسم رمز على القدرة ( - الشرائية ) الملائمة ، وقول فصل في كل الأشياء ومعيار لها . ولذلك يظنّ أنها أنفس الأموال وأكثرها ملاءمة للجميع والكسب ، وذلك أنها بالقوة جميع الأشياء والأموال ، وأنها مع ذلك سهلة الحمل .
وأمير هؤلاء أكثرهم يسارا ، وهو صاحب القوة فيهم ، فإذا اجتمع إلى هذا أن كان له فيهم حسن التدبير بما يكسبهم من يسار ويحفظه فيهم دوما ، صار فيهم أولى بالسيادة في هذه المدينة . ويحصل اليسار أصلا من جميع الأشياء الضرورية ، مثل الفلاحة والرعي والقنص ، ويحصل أيضا بالتجارة والسخرة وغيرها . فهذا هو اجتماع اليسار ، وهو المقصود من الاجتماع ( ذاته ) ، ورئاسته