المتوسّط لا عن الخلاء كما ظنّ ديموقريطس . وهذا برهان على كون البصر يستحيل أن يقع بواسطة الخلاء ، لا على كون البصر يستحيل أن يقع إلّا بمتوسّط . ( شكن ، 152 ، 21 )
- إن الحواس تحتاج بالضّرورة إلى متوسّط ، أي إن المحسوسات لو وضعت فوقها لما أحسّت بها ، وإن الرؤية لن تكون أيضا إلّا بواسطة الضّوء ، وإن الضّوء لا يوجد إلّا بالمتوسط . ( شكن ، 153 ، 19 )
- أنت إذا تأمّلت الشرع وجدته ، مع أنه قد ضرب للجمهور في هذه المعاني المثالات التي لم يمكن تصوّرهم إياها دونها ، فقد نبّه العلماء على تلك المعاني أنفسها التي ضرب مثالاتها للجمهور . فيجب أن يوقف عند حدّ الشرع في نحو التعليم الذي خصّ به صنفا صنفا من الناس ، وألّا يخلط التعليمان كلاهما ، فتفسد الحكمة الشرعية النبوية .
ولذلك قال عليه السلام : " إنّا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وأن نخاطبهم على قدر عقولهم " . ومن جعل الناس شرعا واحدا في التعليم كمن جعلهم شرعا واحدا في عمل من الأعمال . وهذا كله خلاف المحسوس والمعقول . فقد تبيّن لك من هذا أن الرؤية معنى ظاهر ، وأنه ليس يعرض فيه شبهة إذا أخذ الشرع على ظاهره في حق اللّه تبارك وتعالى ، أعني إذا لم يصرّح فيه بنفي الجسمية ولا بإثباتها . ( كم ، 191 ، 15 )
رئة
- إذا كانت الرئة معتدلة المزاج كان التنفّس متوسّطا بين العظم والصغر ، ولم تتأذّ بالهواء الحار ولا البارد ، والصوت يكون معتدلا من صاحب هذه الرئة في العظم والصغر ؛ وأما إذا كانت الرئة حارة فإنه يكون تنفّس صاحبها عظيما ، ويتأذّى بتنشّق الهواء الحار ، ويستلذّ البارد ، ويكون صوته عظيما ؛ وأما إذا كانت باردة فعلاماتها أضداد هذه العلامات أعني أن يكون التنفّس صغيرا ، والصوت كذلك ، ويتأذّى بالأشياء الباردة . وأما اليبس في مزاج الرئة فإنه يستدلّ عليه بصفاء الصوت ، وقلّة النفث ، والرطوبة بضدّ ذلك ، أعني تكدّر الصوت ، وكثرة النفث . ( كط ، 159 ، 25 )
رائحة
- أما الطبيعة المتقبّلة للرائحة ، أي التي هي في المتوسّط ، فلا اسم لها كما تملك الطبيعة التي تتقبّل اللّون في الماء والهواء اسما يعني هذا الاسم المشفّ . . . فمن هنا يظهر أن تقبّل الرائحة ليس بخاصيّة الهواء من جهة ما هو هواء ولا خاصيّة الماء من جهة ما هو ماء بل ينبغي أن يحدث انفعال ما في الطبيعة المشتركة بينهما . وتلك الطبيعة طبعت على تقبّل الروائح الخارجيّة ، وقد يكون ألّا تملك أصلا رائحة من ذاتها ، كما أن المشفّ هو الطبيعة التي تتقبّل الألوان الخارجيّة وتلبسها من جهة كونها لا تملك لونا خاصّا . وهذا يدلّ على كونه لا يظنّ أن الرائحة هي جسم مذوّب في الهواء من جسم ذي رائحة بل ضرب من الكيف طبعت بواسطته تلك الطبيعة على أن تكتمل به ، ولكن الرائحة لا تكتمل به كالمشفّ بواسطة اللّون ولكنّ اللّون لا يكتمل بواسطة المشفّ . وكما أن اللّون يملك وجودا مزدوجا ، أحدهما في المشفّ