هذه المعرفة ، وهو في وقت المعرفة في الأكثر معدوم ، وكان هذا التصديق الحاصل لنا بعد الجهل ليس يحصل عن معرفة متقدّمة عندنا فاعلة له ، ولا بعد فكر ورويّة بمنزلة ما تحصل المعرفة التصديقية الحاصلة لنا عن المقدّمات - فإنه قد تبيّن في " كتاب البرهان " أن المعرفة التصديقية والتصويرية يتقدّمها بالطبع صنفان من المعرفة : فاعل ومعطى . وأما هذه المعرفة التي تحصل في النوم فظاهر أنه ليس يتقدّمها الصنف الفاعل ؛ فأما هل يتقدّمها الصنف المعطى ففي ذلك نظر . وإذا كانت هذه المعرفة حاصلة لنا بعد الجهل وموجودة بالفعل بعد أن كانت موجودة بالقوة ، ولم يكن فينا معرفة لهذه المعرفة ، فبيّن أن الحال في حصول هذه المعرفة لنا كالحال في حصول المقدّمات الأول . وإذا كان ذلك كذلك ، فواجب أن يكون الفاعل لها واحدا ومن جنس واحد .
ولما كان قد تبيّن في الأقاويل الكلية أن كل شيء يخرج من القوة إلى الفعل ، فواجب أن يكون الفاعل لهذه المعرفة هو عقل بالفعل ؛ وهو بعينه يعطي المبادئ الكلية في الأمور النظرية الذي بيّن وجوده في كتاب " النفس " ، فإن الإعطاء بيّن من جنس واحد . وإنما الفرق بينهما أن المعرفة النظرية تعطي المبادئ الكلية الفاعلة للمعرفة المجهولة ، وهنا تعطي المجهولة بلا واسطة . ولهذا ينشأ في هذا النوع من الإعطاء موضع تعجّب وفحص شديد . وذلك أن هذا الإعطاء إن كان ممكنا للإنسان ، فعل ذلك ممكن له في جميع المعارف المجهولة ، وذلك في جميع الأجناس الموجودة ، أم إنما ذلك ممكن له في بعض الأجناس وغير ممكن في بعضها ؟
- فإن الرؤيا بيّن من أمرها أنها ليست تكون في شيء من الأمور النظرية وإنما هي في أمور مستقبلة . ( ح ، 223 ، 17 )
رؤية
- ليس تحدث رؤية إلا عن انعكاس الشعاع .
ولولا ذلك لم يبصر في الظل . ( ن ، 55 ، 20 )
- إن الرؤية لا تكتمل إلّا بالضّوء . ( شكن ، 152 ، 18 )
- لما تبيّن أن الرؤية لا تقع إلّا بالمتوسط لم يكن ديموقريطس مصيبا في ظنّه أنه لو كانت الرؤية بواسطة الخلاء لكان الصّواب فيها أكبر ، . . . فما قاله من أن الرؤية ستكون أكمل في الخلاء مستحيل ، والدليل على ذلك ما قد تبيّن من قبل من كون البصر من جهة ما هو قوّة محسّة يتحرّك وينفعل عن اللّون ، ومن كون اللّون يحرّكه ويمتنع أن ينفعل البصر وأن يتحرّك من طرف اللّون إن كان الجسم الملوّن خارج البصر إلّا لو حرّك ذلك الجسم الملوّن من قبل المتوسّط من جهة الملامسة ولو حرّك المتوسّط البصر . ولو كان بين البصر والمرئي خلاء لما استطاع عندئذ أن يحرّك البصر إذ أن كل هيئة موجودة في الجسم لا تفعل إلّا من جهة الملامسة . لذا فإن لم يلمس المتحرّك النّهائي من طرف محرّك كان ضروريّا أن يكون بينهما متوسّط ليردّ الانفعال ، وذلك المتوسّط سيكون ملموسا ولامسا ، أما المحرّك الأول فسيكون لامسا لا ملموسا والمحرّك النّهائي ملموسا لا لا مسا . من هنا فضروريّ أن ينفعل البصر عن