بين الذكر والحفظ أن الحفظ لما لم يزل قائما بالنفس من وقت إدراكه في الزمان الماضي إلى الزمان الواقف ؛ وأما الذكر فإنه لما هو قد نسي . ولذلك كان الذكر حفظا متقطّعا ، والحفظ ذكرا متّصلا . فهذه القوى واحدة بالموضوع ، اثنان بالجهة . فالذكر بالجملة هو معرفة ما قد عرف بعد ان انقطعت معرفته . - والتذكّر هو طلب هذه المعرفة إذا لم تكن حاصلة وتصرّف الفكرة في إحضارها . وبيّن أن هذا الفعل واجب أن يكون لقوة ليست حسّا ولا تخيّلا ، وهي التي تسمّى ذاكرة . فلننظر ما هي هذه القوة ، وأي مرتبة مرتبتها من قوى النفس ، ولماذا تشارك منها . وظاهر من أمرها أنها من القوى المذكرة للأمور الجزئية الشخصية ، فإن الذكر إنما يكون لشيء بعد إحساسه وتخيّله ، وذلك من جهة ما هو محسوس ومتخيّل ، فإن طبيعة الكم - مثلا - الكليّة التي يدركها العقل لا تدركها القوة الذاكرة ، وإنما تدرك كمية محدودة قد أحسّتها وتخيّلتها . ( ح ، 208 ، 16 )
- نقول ( ابن رشد ) : إنه من البيّن أنه وإن كان كل ذكر وتذكّر فإنما يكون مع تخيّل ، فإن معنى الذكر غير معنى التخيّل ، وأن فعل هاتين القوتين متباين ، وذلك أن فعل قوة الذكر إنما هو إحضار معنى الشيء بعد فقده والحكم عليه الآن : أنه ذلك المعنى الذي أحسّ وتخيّل . فهاهنا إذن أربعة أشياء :
خيال ، ومعنى ذلك الخيال ، وإحضار ذلك المعنى ، والحكم على أنه معنى ذلك الخيال الذي كان للمحسوس المتقدّم . وإحضار الخيال واجب أن يكون لقوة غير القوة التي تدرك المعنى . وهذه القوة توجد بحالتين : إن كان إدراكها متّصلا سمّيت حافظة ، وإن كان منفصلا سمّيت ذاكرة . وأما الحكم على أن هذا المعنى هو لهذا التخيّل فهو في الإنسان للعقل لأنه الحاكم بالإيجاب والسلب ، وهو في الحيوان الذاكر شيء شبيه بالعقل ، لأن هذه القوة تكون في الإنسان بفكر ورويّة ولذلك يتذكّر . وأما في سائر الحيوان فهي طبيعة ، ولذلك يذكر الحيوان ولا يتذكّر .
وليس لهذه القوة في الحيوان اسم ، وهي التي يسمّيها ابن سينا بالوهمية ، وبهذه القوة يفرّ الحيوان بالطبع من المؤذي وإن لم يحسّه بعد ، كما يفرّ كثير من بغاث الطير من الجوارح وإن لم تبصرها قط . ( ح ، 209 ، 15 )
- الذكر إنما يكون للصور السهلة الاسترجاع ، والصور السهلة الاسترجاع هي التي تكون عند القوة المتخيّلة والحسّ المشترك ، وهي كثيرة الجسمانية قليلة الروحانية . والصور العسرة الاسترجاع هي الصور الروحانية القليلة الجسمانية . وإنما كان ذلك كذلك ، لأن الصورة الكثيرة الجسمانية يطول فعل الحسّ المشترك في تمييز روحانيتها ، فيعرض له أن تثبت فيه تلك الصورة ، وبخاصة إذا قبلها قليل القشر . ( ح ، 213 ، 18 )
ذكر وتذكّر
- أما الجيّد الذكر من الناس فهو البطيء الحركة الذي يثبت في نفسه ما يمرّ به من المحسوسات ، وذلك هو مزاج مؤخّر دماغه متمسّك بالصورة الحاصلة ؛ وهذا هو الذي يغلب على مزاج ذلك الموضع منه اليبوسة