مرّ به شيء إلا رآه ، وليس هذا العارض يعرض لنا في وقت النوم فقط ، بل قد يعرض عندما يفكّر الإنسان في شيء ما ، ولذلك كثيرا ما تمرّ بنا في تلك الحال محسوسات كثيرة لا نحسّها . وإذا كان جنس النوم إنما هو انصراف الحواس إلى باطن البدن ، وكانت الحواس إنما يمكن فيها الحركة بحركة الجسم الذي هو الهيولى الخاصة ، بها ، وكان هذا الجسم قد تبيّن من أمره أنه الحار الغريزي ، فالنوم إذا ضرورة يكون بانصراف الحار الغريزي إلى قعر البدن .
( كط ، 88 ، 22 )
- أما النوم فإن فعله الإنضاج والترطيب ، والسهر فعله التحليل والاستفراغ ، وإذكاء الحرارة الغريزية ، ولذلك إذا أفرط في النوم أطفأ الحرارة الغريزية ، ورهل الأجسام ، وإن أفرط السهر أيضا يبس الأجسام ، وحلّل الحرارة الغريزية ، وأشعل العرضية . ( كط ، 320 ، 7 )
نوم ويقظة
- نقول ( ابن رشد ) : إن النوم والسهر يرسمان برسوم : أحدها أن النوم حسّ لا بالقوة ، أي لأشياء موجودة بالقوة ؛ فإنه ظاهر أن النائم يرى أنه يأكل ويشرب ويحسّ بجميع حواسه الخمس . وأما اليقظة فإنه حسّ لا بالفعل . - ومن هذين الرسمين يظهر أن النوم عدم اليقظة ، لأن ما بالقوة عدم ما بالفعل .
والحسّ الذي بالقوة في النوم قد يتّفق أن يخرج إلى الفعل ، وذلك في المنامات الصادقة والإنذارات العجيبة . وحينئذ يكون الحسّ الذي بالقوة أشرف من الحسّ الذي بالفعل . وأما الكاذب من الحسّ الذي بالقوة فخسيس ، والذي بالفعل أشرف منه . ويشبه أن يكون الأمر كما يقول أرسطو : إن الحسّ الذي بالفعل جسماني ، والذي بالقوة روحاني ، والجسماني أشرف عند الحاس الجسماني ، والروحاني أشرف عند المدرك الروحاني ، وليس الروحاني أشرف عند المدرك الروحاني ، وليس الروحاني أشرف عند الجسماني ، ولا الجسماني أشرف من الروحاني عند الروحاني . وأما الروحاني على الإطلاق فهو أشرف من الجسماني ، والحسّ الروحاني إنما يوجد في النوم فقط ، بل يوجد في اليقظة عند اجتماع القوى الثلاث واتّحادها كما سلف من قولنا . ( ح ، 215 ، 13 )
- لما كان قد تبيّن في " كتاب النفس " أن هاهنا قوة حسية مشتركة لجميع الحواس الخمس ، وهي التي تقضي تباينها وتقابلها وكثرتها - علمنا أن المتصرّف عن هذه الآلات إنما هو الحسّ المشترك ، وأن ماهية النوم إنما هو غؤور هذه القوة الحساسة المشتركة إلى داخل الجسم ، وأن اليقظة هي حركة هذه القوة الحساسة إلى آلاتها من خارج . ولهذا قد يرسم بأن النوم سكون الحركة ، واليقظة اتّصال الحركة . ( ح ، 216 ، 14 )
- قد يرسم أيضا النوم بأنه ربط القوى ووثاقها ، واليقظة بأنها انحلال القوى وضعفها . وذلك أن اليقظة لما كانت استعمال الحواس آلاتها ، عرض لها الانحلال عن آلاتها لمكان الضعف والتعب ؛ والنوم لما كان جماما لهذه القوى عرض له أن يكون رباط هذه القوى لأنها ستجد به قوة ونشاطا . ولما كان هذا الكلال إنما يعرض للآلات عن آلات داخلة عليها مثل التعب والكدّ وغير ذلك من