هذا ، أعني تمرّ به المحسوسات فلا يدركها ، وذلك إذا أقبل بالفكرة على أمرها ، لأنه في ذلك الوقت يعطّل آلات الحساسة ويقبل بالحاسة المشتركة إلى داخل الجسم لمعونة القوة المفكّرة ، لأن القوة المفكّرة تقوى عند سكون سائر الحواس ، ولذلك كان الإنسان يدرك في النوم الأمور المستقبلة ولا يدركها في اليقظة . وأما معونة هذه القوة المفكّرة فبأن تحصر ما عندها من رسم ذلك الشيء فيصفّيه الخيال وتحضره القوة المفكّرة ، وذلك أن المعنى الذي يدرك بالفكر روحاني ، فهو يحتاج إلى معونة هذه القوى في إدراكه الذي يخصّه . وهذا ليس يعرض لشيء من الحيوان سوى الإنسان ، لأنه لا قوة عقلية له ، وإنما يدرك من المحسوسات رسوم الأشياء وقشورها . ( ح ، 216 ، 17 )
- بيّن أن النوم إنما يكون بانصراف الحار الغريزي وانقباضه إلى مبدئه الذي هو القلب ، فإن الحركة إنما تكون للجسم بما هي حركة .
ولذلك لا تتحرّك القوى إلا من جهة موضوعها . وإذ تبيّن هذا وكان الانقباض للحار الغريزي إلى باطن البدن إنما يعرض له من قبل ضدّه الذي هو البرد والرطوبة ، كما أن الانتشار له والحركة إلى خارج إنما يعرض من قبل الحرارة واليبس ، فواجب أن يكون إنما يعرض له في وقت النوم هذا العرض من قبل البرودة والرطوبة التي هي أغلب على الدماغ ، وأن يكون السهر إنما يعرض من قبل الحرارة واليبس الغالب على مزاج القلب . ( ح ، 219 ، 6 )
- النوم يعرض ضرورة لمكان ضعف الدماغ وضعف القلب ؛ وكل واحد منهما سبب في ضعف صاحبه ، وإذا كان الدماغ سببا في ذلك لموضع مزاجه . والسبب في ضعفهما جميعا هو نضج الغذاء وطبخه ، ولذلك ينام الحيوان ضرورة ما دام الغذاء في النضج وينتبه إذا فرغ من الطبخ وتشبّه الغاذي بالمغتذي ، لأنه حينئذ يصفّي الحرارة الغريزية من تلك الرطوبة والأبخرة ، ويتحرّك في الشرايين والأعصاب إلى خارج النفس فيحدث السهر ضرورة . ( ح ، 220 ، 9 )
- النوم ، بالجملة ، يعرض لمكان تغيّر الحار الغريزي في كميته وكيفيته . أما النوم الذي يحدث عن الغذاء فلمكان رطوبته وبرده .
وأما الذي عن التعب فلمكان نقصانه وبرده .
فأما لم كان الحيوان يعرض له هذا العارض فلموضع الضرورة ، لأنه لما كان من ضرورة هذا للأجسام أن يلحقها الكلال والتعب عند الحركة وكانت مغتذية - احتاجت إلى النوم لمكان الرائحة وضرورة الاغتذاء ، وذلك بخلاف ما عليه الأمر في الأجرام السماوية ، فإن تلك لمّا لم يلحقها الكلال والتعب عند الحركة وكانت مغتذية - احتاجت إلى النوم لمكان الراحة وضرورة الاغتذاء ، وذلك بخلاف ما عليه الأمر في الأجرام السماوية ، فإن تلك لما لم يلحقها الكلال ولم تكن مغتذية ، لم تكن محتاجة إلى النوم . ( ح ، 221 ، 4 )
- أما أن النوم هو سكون الحواس ، وانصرافها عن آلاتها إلى داخل البدن فذلك من الأمور الظاهرة بأنفسها ، ولذلك تمرّ بها في تلك الحال المحسوسات فلا تحسّها ، وأيضا فقد يظهر ذلك ظهورا أبين في من ينام مفتوح العينين فإنه لو كانت هنالك القوة المبصرة لما
موسوعة مصطلحات ابن رشد الفيلسوف — صفحة 1193
مساهمون: جيرار جهامي
ص١١٩٣