الصور القائمة بها ، وأما وجه المفارقة فلأجل أمرين : أحدهما ، إنّ المادة الدنياوية إنّما يحلّها الصور الفائضة عليها لأجل سبق قوّة استعدادية انفعالية وسبق حركة متوجّهة إلى الكمال الصوري بخلاف الصور الأخروية فإن حصولها لما يقوم بها إنّما هو من جهة الفعلية واللزوم لا من جهة القوّة والإمكان ، ومن الجهات الفاعلية لا من الجهات القابلية . أو لا ترى أنّ محل السواد مثلا إذا زال عنه السواد يحتاج في استرجاعه إلى فاعل مباين يفيد السواد لذلك المحلّ من دون أن يكتفي المحل بنفسه في استرجاع السواد ، وهذا بخلاف القوة النفسانية ، فإنها إذا زالت عنها الصور الباطنية ففي استرجاعها إيّاها وتذكّرها لا يحتاج إلى تجشّم كسب جديد وإلى مبدأ يحصل منه كما يحصل أولا ، بل يستكفي في ذلك بذاتها وبما يقوم به ذاتها من الأمور الداخلية ، وذلك لأن القوّة الروحانية من المواد الأخروية التي ينشأ منها الصور من غير كسب جديد ومبدأ منفصل وأسباب اتّفاقية خارجية ، بل الأمر كله هناك للّه العلي الكبير . وثانيهما ، إنّ من الأشياء الواضحة بحسب الذوق والتجربة ، أن كل هيولى يكون ألطف جوهرا وأشدّ روحانية ، فإنها تكون أشرف صورة وأجلّ كمالا ولقبول الصور أسرع انفعالا وأسهل قبولا . ( مبع ، 438 ، 27 )
صور الأشياء
- إنّ صور الأشياء على قسمين : إحداهما صورة مادية قوام وجودها بالمادة والوضع والمكان وغيرها ، ومثل تلك الصورة لا يمكن أن يكون بحسب هذا الوجود المادي معقولة بالفعل بل ولا محسوسة أيضا كذلك إلّا بالعرض ، والأخرى صورة مجرّدة عن المادة والوضع والمكان تجريدا إمّا تامّا فهي صورة معقولة بالفعل أو ناقصا فهي متخيّلة أو محسوسة بالفعل ، وقد صحّ عند جميع الحكماء إنّ الصورة المعقولة بالفعل وجودها في نفسها ووجودها للعاقل شيء واحد من جهة واحدة بلا اختلاف ، وكذا المحسوس بما هو محسوس وجود في نفسه ووجوده للجوهر الحاس شيء واحد بلا اختلاف جهة ، فإذا كان الأمر هكذا فلو فرض إنّ المعقول بالفعل أمر وجوده غير وجود العاقل حتى يكونا ذاتين موجودتين متغايرتين لكل منهما هوية مغايرة للأخرى ، ويكون الارتباط بينهما بمجرّد الحالية والمحلية كالسواد والجسم الذي هو محل السواد لكان يلزم حينئذ أن يمكن اعتبار وجود كل منهما مع عزل النظر عن اعتبار صاحبه لأنّ أقلّ مراتب الإثنينية بين شيئين اثنين أن يكون لكل منهما وجود في نفسه وإن قطع النظر عن قرينه لكن الحال في المعقول بالفعل ليس هذا الحال إذ المعقول بالفعل ليس له وجود آخر إلّا هذا الوجود الذي هو بذاته معقول لا بشيء آخر ، وكون الشيء معقولا لا يتصوّر إلّا بكون شيء عاقلا له ؛ فلو كان العاقل أمرا مغايرا له لكان هو في حدّ نفسه مع قطع النظر عن ذلك العاقل غير