الأحمر ، ثم يليه معرفة الصفات هو الياقوت الأكهب ، ويليه معرفة الأفعال وهو الياقوت الأصفر . وكما أن نفس هذه اليواقيت أجل وأعزّ وجودا ولا تظفر منه الملوك لعزّته إلا باليسير وقد تظفر مما دونه بالكثير ، فكذلك معرفة الذات أضيقها مجالا وأعسرها منالا وأعصاها على الفكر ، وأبعدها عن قبول الذكر ؛ ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تلويحات وإشارات ويرجع ذكرها إلى ذكر التقديس المطلق . ( ج ، 10 ، 8 )
يقين
- اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين : أما النّظار والمتكلّمون فيعبّرون به عن عدم الشكّ إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع مقامات ، الأول أن يعتدل التصديق والتكذيب ويعبّر عنه بالشكّ ، كما إذا سئلت عن شخص معيّن ، أن اللّه تعالى يعاقبه أم لا ؟ وهو مجهول الحال عندك فإن نفسك لا تميل إلى الحكم فيه بإثبات ولا نفي بل يستوي عندك إمكان الأمرين فيسمّى هذا شكّا .
الثاني أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول ، كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه لو مات على هذه الحالة هل يعاقب ؟ فإن نفسك تميل إلى أنه لا يعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب وذلك لظهور علامات الصلاح .
ومع هذا فأنت تجوّز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته فهذا التجويز مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه فهذه الحالة تسمّى ظنّا . الثالث : أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها ولا يخطر بالبال غيره ولو خطر بالبال تأبى النفس عن قبوله ، ولكن ليس ذلك مع معرفة محقّقة إذ لو أحسن صاحب هذا المقام التأمّل والإصغاء إلى التشكيك والتجويز اتّسعت نفسه للتجويز ، وهذا يسمّى اعتقادا مقاربا لليقين وهو اعتقاد العوام في الشرعيات كلها إذ رسخ في نفوسهم بمجرّد السماع ، حتى إن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها ومتبوعها ، ولو ذكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عن قبوله . الرابع : المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يشكّ فيه ولا يتصوّر الشك فيه فإذا امتنع وجود الشكّ وإمكانه يسمّى يقينا عند هؤلاء ، ومثاله أنه إذا قيل للعاقل هل في الوجود شيء هو قديم ؟ فلا يمكنه التصديق به بالبديهة لأن القديم غير محسوس لا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس وليس العلم بوجوده شيء قديم أزلي ضروريّا مثل العلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد ومثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال ، فإن هذا أيضا ضروري فحق غريزة العقل أن تتوقّف عن التصديق بوجود القديم على الارتجال والبديهة ، ثم من الناس من يسمع ذلك ويصدّق بالسماع تصديقا جزما ويستمرّ عليه وذلك هو الاعتقاد وهو حال جميع العوام . . .