تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي — صفحة 821

مساهمون:

ص٨٢١
جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة هي ذات الإنسان . فإذا ثبت بهذا أن حقيقة الإنسان لا تكون عرضا لأن الأعراض يجوز أن تتبدّل ، والحقيقة بعينها باقية فإن الحقائق لا تتبدّل . فإذا ما هو ثابت فيك مذ كنت فهو نفسك وما يطرأ عليك ويزول فهو الأعراض . وأما الوجه الثاني وهو البيان الخاص فهو الذي يصلح لأهل الفطانة ومن فيه لطف الفهم والإصابة ، فهو أنك إذا كنت صحيحا مطرحا عنك الآفات مجنّبا عنك صدمات الهوى وغيرها من الطوارق والآفات فلا تتلامس أعضاؤك ولا تتماس أجزاؤك ، وكنت في هواء طلق ( أي معتدل ) ، ففي هذه الحالة أنت لا تغفل عن إنّيتك وحقيقتك بل وفي النوم أيضا ، فكل من له فطانة ولطف وكياسة يعلم أنه جوهر ، وأنه مجرّد عن المادة وعلائقها ، وأنه لا تعزب ذاته عن ذاته . لأن معنى التعقّل حصول ماهية مجرّدة للعاقل وذاته مجرّدة لذاته ، فلا يحتاج إلى تجريد وتقشير ، وليس ههنا ماهية ثم معقولية بل ماهيته معقوليته ، ومعقوليته ماهيته . . . ثم الدليل على صحة هذا البيان الخاص أنه لو لم يكن المدرك والمشعور به هو حقيقتك أي نفسك ، بل يكون هو البدن وعوارضه لكان لا يخلو إمّا أن يكون الشعور به جملة بدنك أو بعضه ، وبطل أن تكون الجملة لأن الإنسان في الفرض المذكور قد يكون غلّا عن جملة البدن وهو مدرك نفسه . وإن كان بعضا منه فلا يخلو إما أن يكون ظاهرا أو باطنا ، فإن كان ظاهرا فهو مدرك بالحسّ ، والنفس غير مدركة بالحس ، كيف ونحن في الفرض المذكور قد أغفلنا الحواس عن أفعالها وفرضنا أن الأعضاء لا تتماس ، وإن كان النفس والذات عضوا باطنا من قلب أو دماغ فلا يجوز أيضا لأن الأعضاء الباطنة إنما يوصل إليها بالتشريح فثبت أن مدركك ليس شيئا من هذه الأشياء ، فإنك قد لا تدركها وتدرك ذاتك ضرورة ، فما الجئت إلى إدراكه ضرورة لا يكون قطعا ما لا يدرك إلا بالنظر . فإذا ثبت بهذا أن ذاتك ليس من عداد ما تدركه بالحسّ أو مما يشبه الحسّ بوجه من الوجوه . ( مع ، 23 ، 8 ) - أما ذات النفس فإنها تدرك دائما وجودها لا شيئا من الأجسام التي معها وفيها ولا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى معقولة غير صورة آلتها ، فإن هذا أشدّ استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلّت الجوهر العاقل جعلته عاقلا لما تلك الصورة صورته أو لما تلك الصورة مضافة إليه ، فتكون صورة المضاف داخلة في هذه الصورة ، وهذه الصورة المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضا صورة شيء مضاف إليها بالذات ، لأن ذات هذه الآلة جوهر . ( مع ، 32 ، 4 ) - النفس لو كانت جسما فلا يخلو : إما أن تكون حالّة في البدن أو خارجة البدن ، فإن كانت خارجة البدن فكيف تؤثر وتصرف في هذا الجسم ، وكيف يكون قوام البدن بها ، وكيف تتصرّف في المعارف العقلية في الملك والملكوت ، فتعرف الأول الحق وتسافر في العرفان العقلي وتستوفي