أجسام يمكن أن يفرض فيها أبعاد ثلاثة متقاطعة . ثم نصادفها بعد ذلك مفترقة بالتحرّك والإدراك ، فإن كان تحرّكها لأجل جسميتها فينبغي أن يكون كل جسم متحرّكا لأن الحقائق لا تختلف ، وما يجب لنوع يجب لجميع ما يشاركه في ذلك النوع وتلك الحقيقة . وإن كان لمعنى وراء الجسمية فقد ثبت على الجملة مبدأ للفعل فذلك المبدأ هو النفس ، إلى أن يتبيّن أنه جوهر أو عرض . مثال ذلك أنا نرى الأجسام النباتية تغتذي وتنمو وتولد المثل وتتحرّك حركات مختلفة من التشعيب والتعريق . فهذه المعاني إن كانت للجسمية فينبغي أن تكون جميع الأجسام كذلك . وإن كانت لغير الجسمية بل لمعنى زائد فذلك المعنى يسمّى نفسا نباتية . ثم الحيوان فيه ما في النبات ويحسّ ويتحرّك بالإرادة ويهتدي إلى مصالح نفسه وله طلب لما ينفع وهرب عمّا يضرّ ، فنعلم قطعا أن فيه معنى زائدا على الأجسام النباتية . ثم نجد الإنسان فيه جميع ما في النبات والحيوان من المعاني ويتميّز بإدراك الأشياء الخارجة عن الحسّ ، مثل أن الكل أعظم من الجزء ، فيدرك الجزئيات بالحواس الخمس ويدرك الكليات بالمشاعر العقلية ، ويشارك الحيوان في الحواس ويفارقه في المشاعر العقلية ، فإن الإنسان يدرك الكلّي من كل جزئي ويجعل ذلك الكلّي مقدمة قياس ويستنتج منه نتيجة . فلا الإدراك الكلّي ينكر ، ولا المدرك لذلك يجحد ولا العرض ولا الجسم القابل للعرض ولا النبات ولا الحيوان غير الإنسان يدرك الكلّي حتى يقوم به الكلّي فينقسم بأقسام الجسم ، إذ الكلّي له وحدة خاصة من حيث هو كلّي لا ينقسم البتّة ، فلا يكون للإنسان المطلق الكلّي نصف وثلث وربع ؛ فقابل الصورة الكلية جوهر لا جسم ولا عرض في جسم ولا وضع له ولا أين له فيشار إليه ، بل وجوده وجود عقليّ أخفى من كل شيء عند الحسّ وأظهر من كل شيء للعقل ، فثبت بهذا وجود النفس .
وثبت على الجملة أنه جوهر ، وثبت أنه منزّه عن المادة والصور الجسمانية . ( مع ، 19 ، 3 )
- النفس جوهر وكذلك العقوبات الواردة في الشرع بعد الممات تدلّ على أن النفس جوهر ، فإن الألم وإن حلّ بالبدن فلأجل النفس . ثم للنفس عذاب آخر يخصّه ، وذلك كالخزي والحسرة وألم الفراق ، وكذلك ما يدلّ على بقائه . ( مع ، 23 ، 3 )
- أما ( النفس جوهر ) من حيث العقل فمن وجهين : وجه عام يمكن إثباته مع كل أحد .
ووجه خاص يتفطّن له أهل الخصوص والإنصاف . أما الأول فهو أن يعلم أن حقيقة الإنسان ليس عبارة عن الجسم فحسب ، فإنه إنما يكون إنسانا إذا كان جوهرا وأن يكون له امتداد في أبعاد تفرض طولا وعرضا وعمقا وأن يكون مع ذلك ذا نفس ، وأن تكون نفسه نفسا يغتذي بها ويحسّ ويتحرّك بالإرادة . ومع ذلك يكون بحيث يصلح لأن يتفهّم المعقولات ويتعلّم الصناعات ويعملها إن لم يكن عائق من خارج لا من جهة الإنسانية ، فإذا التأم
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي — صفحة 820
مساهمون: رفيق العجم
ص٨٢٠