ما ظهر لكل واحد وظنّه في الوقت بعد الوقت ، وأن الحقيقة في كل شيء هو ما يظنّه به ظانّ . وبعضهم يجهد نفسه في أن يوهم أن كل ما يظنّ أنّه يدرك إلى هذه الغاية من الأمور فكلّه كذب وأنّه وإن كان هاهنا صدق وحق مّا فلم يدرك بعد .
وبعضهم يتخيّل له مثل حلم النائم أو مثل ما يرى الشيء من بعيد أن هاهنا حقّا ويقع في نفسه أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم أدركوه عسى أن يكونوا أدركوه أو أن يكون فيهم من عسى أن يكون قد أدرك ويحسّ من نفسه أنّ ذلك قد فاته إمّا لأنه يحتاج في إدراكه إلى زمان طويل وإلى كدّ وعناء وليس له زمان يفي به ولا قوّة له على الكدّ والدؤب إمّا لأنه تشغله لذّات وأشياء أخر قد اعتادها يعسر عليه اطّراحها عن نفسه وإمّا لأنه قد أحسّ من نفسه أنه لا يدركه ولو آتته أسبابه كلّها . . . .
وبعض هؤلاء أعني الذين يلتمسون أن يستريحوا مما يجدون من مضض الجهل والحيرة ربما أوهموا أنّ الغايات هي التي يختارونها هم ويؤثرونها ، وأنّ السعادة هي هذه ، وأن الباقين مغرورون فيما يعتقدونه ويجتهدون في تحسين الأشياء الجاهلية وفي تحسين السعادة . . . . فهؤلاء هم الأصناف النابتة في خلال أهل المدينة ولا تحصل من آرائهم مدينة أصلا ولا جمع عظيم من الجمهور ، بل يكونون مغمورين في جملة أهل المدينة . ( كسي ، 104 ، 7 )
نواميس
- سأل سائل عن السبب في وضع النواميس ، ومعنى السبب ههنا هو الفاعل ، وفاعلها واضعها ، فأجاب المجيب أنّ الواضع لها كان زاوش ، وزاوش عند اليونانيّين أبو البشر الذي ينتهي إليه السبب ، ثمّ أتى بذكر وضع آخر ليبيّن أنّ النواميس كثيرة وكثرتها لا تبطلها ، واستشهد على ذلك بالشعر والخبر المشهور المتداول به بين الناس في مدح بعض واضعي النواميس من القدماء .
ثم أومأ إلى أنّ البحث عن النواميس صواب بسبب من يبطلها ويروم القول بتسفيهها ، وبيّن أنّها من الرتبة العليا وفوق جميع الحكم ، وبحث عن جزئيّات الناموس الذي كان مشهورا في زمانه .
( كنو ، 5 ، 5 )
- إنّ غرض واضع النواميس فيما يحتلم من ذلك ويصيبه هو ابتغاء وجه اللّه عزّ وجلّ وطلب الثواب والدار الآخرة واقتناء الفضيلة العظمى التي هي فوق الفضائل الخلقيّة الأربع . وبيّن أنّه قد يوجد في الناس متشبّهون بأصحاب النواميس ، وهم أقوام لهم أغراض مختلفة فيسرعون في وضع النواميس ليبلغوا بذلك مقاصدهم الرديّة ، وإنّما قصد لذكر هؤلاء ليتحذّر الناس من الاغترار بأمثالهم . ( كنو ، 6 ، 17 )
- إنّ وضع النواميس ودروسها وتجديدها ليس هذا شيئا محدثا في هذا الزمان ، لكنّه شيء قد كان في الأزمان القديمة وسيكون فيما يأتي منها . وبيّن ( أفلاطون ) أنّ فساد