واحد منها المقدّمات التي تكسبها الضرورية في لزوم نتائجها ؛ فما كان منها بيّنا من أوّل الأمر ، إنّها هي التي أفادت الضرورية ، كما في الشكل الأول من الأشكال الحملية حذفت وأضمرت وصرّح منها بالتي هي واصلة بينها وبين النتيجة فقط . مثل المقدّمات الكبرى الكلية في ضروب الشكل الأول في أنّها بيّنة أنّها هي الضرورية في لزوم نتائجها لها ، فينبغي في مقاييس الشكل الأول ، إذا أردنا أن نجعلها ضمائر ، أن نحذف الكبرى ونضمرها ونصرّح بالصغرى فقط . وإن رأينا أن نصرّح بها في بعض الأوقات ، أخذناها مهملة . فإن هذا أحد ما تصير به المقاييس مقنعة من جهة صورها ، أمّا أوّلا فإن القول إنما يبقى فيه موضع عناد من جهة ضرورية اللزوم وذلك إنما يكون بأن لا يصرّح بالمقدّمات التي تفيد الضرورية ، وإن ذكرت لم تذكر بالحال التي توجب بها المقدّمة ضرورية اللزوم ؛ وأمّا ثانيا فربما كانت كاذبة بيّنة الكذب فيشعر السامع بكذبها فيزول إقناع القول ؛ فإذا سكت عنها المتكلّم أوهم سكوته أنه إنّما يسكت عنها لأجل أنها ظاهرة الصدق ؛ وإن كانت صادقة لم يؤمن أن تكون صادقة بالجزء فقط ؛ وإن اضطرّ المتكلّم إلى التصريح بها ، فذكرت مهملة ، قامت المهملة في بادي الرأي عند الجمهور مقام الكليّة ، وخفي موضع الكذب فيها ، فصارت مقنعة إذ كان يبقى فيها موضع للعناد . وأمّا في مقاييس سائر الأشكال ، فإن مواضع المقدّمات الضرورية في كل ضرب منها خفيّة ، ومع ذلك فإنه لا يتّفق أن تكون الكبرى منها هي الضرورية لا محالة ، بل ربما كانت الصغرى هي الضرورية في لزوم النتيجة . فليس بضائر أن يصرّح فيها بكلتا المقدّمتين بعد أن تجعلا مهملتين ليبقى في التأليف موضع العناد . وإن سكت عن الضرورية وذكرت الباقية مهملة ، صارت أخفى وكان أمكن للعناد . وأمّا إن صرّح بالمقدّمات كلها ، جعلت الضرورية كليّة ، واستوفي في كل واحد منها شرائط القياس ، ارتفع عن رتبة الإقناع إلى رتبة اليقين ولم يكن في صورها موضع عناد .
ومع ذلك ، فإن إقناعه يزول من وجه آخر ، وهو أنه يظنّ بمستعمله أنه إنما غلب ، لا بطريق الخطابة ، بل بصناعة منطقية يتعقّب بها القول ، أو بصناعة أخرى غيرها ، لا بقدرته على جودة استعمال الطريق المشترك بينه وبين جميع مخاطبيه وخصومه . ومتى ظنّ بالإنسان أن غلبته لخصومه هو لنفاذه في صناعة أخرى غير الصناعة المشتركة بينه وبين خصومه ، لم يكن قوله ذلك مقنعا من قبل أنه يظنّ أن الذي به يقنع ليست قوة الأمر ولا القضايا التي يستعملها في مخاطبته ، لكن بفضل قوة استفادها عن صناعة أخرى ؛ كما أن المتصارعين متى استعان أحدهما على الآخر بسلاح أو بأسباب أخر لا يساويه فيه مصارعه ، دلّ ذلك على ضعفه عن الصناعة ، أو إخراج عن طبقة المصارعين .
وكذلك المتنازعان بالطرق المشتركة . ثم
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 335
مساهمون: جيرار جهامي
صالفارابي ٣٣٥