قد فطر عليها : - أحدها أن يكون تامّ الأعضاء ، قواها مؤاتية أعضاءها على الأعمال التي شأنها أن تكون بها ؛ ومتى همّ بعضو ما من أعضائه عملا يكون به فأتى عليه بسهولة ، - ثم أن يكون بالطبع جيّد الفهم والتصوّر لكل ما يقال له ، فيلقاه بفهمه على ما يقصده القائل وعلى حسب الأمر في نفسه ، - ثم أن يكون جيّد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه ، وفي الجملة لا يكاد ينساه ، - ثم أن يكون جيّد الفطنة ، ذكيّا ، إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دلّ عليها الدليل ، - ثم أن يكون حسن العبارة ، يؤاتيه لسانه على إبانة كل ما يضمره إبانة تامّة ، - ثم أن يكون محبّا للتعليم والاستفادة ، منقادا له ، سهل القبول ، لا يؤلمه تعب التعليم ولا يؤذيه الكدّ الذي ينال منه ، - ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح ، متجنّبا بالطبع للعب ، مبغضا للذات الكائنة عن هذه ، - ثم أن يكون محبّا للصدق وأهله مبغضا للكذب وأهله ، - ثمّ أن يكون كبير النفس محبّا للكرامة : تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور ، وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها ، - ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هيّنة عنده ، - ثم أن يكون بالطبع محبّا للعدل وأهله ومبغضا للجور والظلم وأهلهما ، يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحثّ عليه ، ويؤتي من حلّ به الجور مؤاتيا لكل ما يراه حسنا وجميلا ، ثمّ أن يكون عدلا غير صعب القياد ، ولا جموحا ولا لجوجا إذا دعي إلى العدل ، بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح ، - ثم أن يكون قويّ العزيمة على الشيء الذي يرى أنّه ينبغي أن يفعل ، جسورا عليه ، مقداما غير خائف ولا ضعيف النفس .
واجتماع هذه كلها في إنسان واحد عسر ؛ فلذلك لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد ، والأقلّ من الناس . فإن وجد مثل هذا في المدينة الفاضلة ثم حصلت فيه ، بعد أن يكبر ، تلك الشرائط الستّ المذكورة قبل أو الخمس منها دون الأنداد من جهة القوة المتخيّلة كان هو الرئيس . وإن اتّفق أن لا يوجد مثله في وقت من الأوقات ، أخذت الشرائع والسنن التي شرّعها هذا الرئيس وأمثاله ، إن كانوا توالوا في المدينة ، فأثبتت . ( كأر ، 105 ، 3 )
خصال الرئيس الثاني للمدينة الفاضلة
- يكون الرئيس الثاني الذي يخلف الأوّل من اجتمعت فيه من مولده وصباه تلك الشرائط ( الصفات الفطرية للرئيس الأول ) ، ويكون بعد كبره ، فيه ست شرائط : - أحدها أن يكون حكيما ، والثاني أن يكون عالما حافظا للشرائع والسنن والسير التي دبّرها الأوّلون للمدينة ، محتذيا بأفعاله كلها حذو تلك بتمامها ، - والثالث أن يكون له جودة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة ، ويكون فيما يستنبطه من ذلك محتذيا حذو الأئمة الأولين ، - والرابع أن