عرفتك لمّا أن وفيت وما وفوا * وحين حفظت العهد منّى وضيّعوا
فنعم مشيرا أنت والرّأى ضيّق * ونعم ظهيرا أنت والخطب أشنع « 1 »
وإنّ غناء بعد هلكك أصلم * وإنّ وفاء بعد فقدك أجدع « 2 »
وليس لإخوان الزّمان وقد سقوا * فراقك صرفا من يضرّ وينفع
عهدتك لا تعنو لبأس ولم تبت * وخدّك من شكوى الشّدائد أضرع « 3 »
وعزّ على قلبي بأنك مفرد * أناجيك لهفا نائما ليس تسمع
وأنّك من بعد امتناع وعزّة * تحطّ على أيدي الرّجال وترفع
فما لك مهجورا وأنت محبّب * وما لك مبذولا وأنت الممنّع ؟
وقد كنت صعبا شامس الظّهر آبيا * وأنت لرحل الموت عود موقّع « 4 »
وما ذاك عن عجز ولا ضعف قوّة * ولكنّه الأمر الذي ليس يدفع
وما سرّنى أنّى نبذتك طائحا * بغبراء لا تدنو ولا تتجمّع
وأودعت بطن الأرض منك نفيسة * وهل مودع في التّرب إلّا المضيّع ؟
سقى قبرك الثّاوى بملسا ، قفرة * غزائر من نسح العشيّات همّع « 5 »
كأن السّحاب الجون ينطف فوقه * ركائب يحملن الهوادج ضلّع « 6 »
ولا زال مطلول التّراب وحوله * من الرّوض مخضرّ السّباسب ممرع « 7 »
هامش
( 1 ) الظهير : المعين .
( 2 ) الأصلم : مقطوع الأذن ، والأجدع : مقطوع الأنف .
( 3 ) تعنو : تخشع ، ومنها قوله تعالى :« وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ »، والأضرع : الذليل .
( 4 ) الشامس : من الخيل والإبل الممتنع على راكبه وصعب القياد ، والآبي : الممتنع ، والعود :
الجمل المسن ، والموقع : المذلل .
( 5 ) غزائر : جمع غزيرة أي وافرة الماء ، والهمع : الماطرة .
( 6 ) الجون : الأسود أو الأبيض ، وينطف : يقطر ، والضلع : جمع الضالع وهو ذو الأضلاع القوية والمائل والمثقل .
( 7 ) المطلول : المبتل إذا أصابه الطل وهو المطر الخفيف ، والسباسب : القفار مفردها السبسب ، والممرع : المخصب .