وقال يرثى أبا إسحاق الصابى ويتذكر أيامه لما كان بينه وبين هذا البيت من الألفة المتأكدة :
ما كان يومك يا أبا إسحاق * إلّا وداعى للمنى وفراقي
وأشدّ ما كان الفراق على الفتى * ما كان موصولا بغير تلاق
ولقد أتاني من مصابك طارق * لكنّه ما كان كالطّراق
فالنّار يوقدها الأسى في أضلعى * لا للصّلى والماء من آماقى « 1 »
ما كان للعينين قبلك بالبكا * عهد ولا الجنبين بالإقلاق
وأطقت حمل النّائبات ولم يكن * ثقل برزئك بيننا بمطاق
لولا حمامك ما اهتدى همّ إلى * قلبي ولا نار إلى إحراقى
وسلبت منك أجلّ شطرى عيشتى * وفجعت منك بأنفس الأعلاق « 2 »
وقذيت في قلبي بفقدك والقذى * في القلب ينسينا قذاة الماق « 3 »
لمّا رأيتك فوق صهوة شرجع * بيد المنايا أظلمت آفاقي « 4 »
وكأنّنى من بعد ثكلك ذو يد * جذّاء أو غصن بلا أوراق « 5 »
أو راكب في القفر دفّى جسرة * غرثى بلا شثّ ولا طبّاق « 6 »
إنّى عليك لما ذهبت لموجع * وإليك لمّا غبت بالأشواق
يا نافعى والجلد منّى ضيّق * برزيّتى ألّا يضيق نطاقى
هامش
( 1 ) الصلى والاصطلاء : الاستدفاء بالنار .
( 2 ) الأعلاق : الجواهر الثمينة ، مفردها علق .
( 3 ) قذيت : أصابني القذى وهو ما يقع بالعين من قش وغيره ، والماق والموق : من العين مجرى الدمع .
( 4 ) الصهوة : أعلا الشئ كمقعد الفارس وأعلا الجبل ، والشرجع : النعش .
( 5 ) جذاء : مقطوعة .
( 6 ) الجسرة : العظيمة من النوق القوية ، وغرثى : جائعة ، والشث : شجر كالتفاح الصغير طيب الرائحة مر الطعم ، والطباق ( كرمان ) : شجر منابته جبال مكة .