فكم وطن بالودّ منّى سكنته * وإن لم أجرّر في جوانبه بردى
بقلبي كلم من فراقك مؤلم * وكم بالفتى كلم وما حزّ بالجلد « 1 »
ودمعي على ما فاتنى منك قاطر * كأنّى دون النّاس فارقتني وحدى
سقى اللّه أيّاما مضين وأنت بي * حفىّ قريب الملتقى سبل الرّعد « 2 »
لهنّ بقلبي عبقة أرجيّة * تبرّح بالنّفحات من عنبر الهند
وقد حال فينا كلّ شئ عهدته * فلم يبق محفوظا عليك سوى عهدي
ولولا هناة كنت أقرب منزلا * وما كلّ سرّ في جوانحنا نبدى « 3 »
فإن تنأ فالعيّوق ناء وإن تغب * فقد غاب عنّا برهة كوكب السّعد « 4 »
ولا خير في واد وأنت بغيره * وما العيش مطلولا خلافك بالرّغد « 5 »
وإنّى مغمود وإن كنت باترا * ولا بدّ يوما أن أجرّد من غمدى
فإن كنت يوما لست ترضى ضريبة * فإنّك ترضى بالضريبة عن حدّى
لحى اللّه أبناء الزّمان فإنّهم * بتيهاء لا تدنو ضلالا عن القصد
ولم ير إلّا الهزل ينفق عندهم * فمن يشترى منّى إذا بعته جدّى ؟
ومختلطا فيه الذّوائب كالشّوى * وحرّهم من لبسة الذلّ كالعبد « 6 »
وكم فيهم للجهل ميت وربّما * يموت امرء لم يطوه القوم في اللّحد
فيا ليت أدواء الزّمان الّتى عصت * وأعيت على كلّ المداواة لا تعدى
وليس وفاء للجميل بموعد * لدىّ ويأتيني القبيح بلا وعد
هامش
( 1 ) الكلم : الجرح .
( 2 ) الحفى : المبالغ في الإكرام والعارف بالشئ معرفة حقة ومن المعنى الأخير قوله تعالى :« يَسْئَلُونَكَعن الساعةكَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها »: أي عارف بها ، والسبل :
ذو السبل وهو المطر النازل من السحاب قبل أن يصل الأرض .
( 3 ) الهناة : الداهية : والجوانح :
الصدور .
( 4 ) العيوق : نجم عال .
( 5 ) العيش المطلول : الناعم البهيج .
( 6 ) الذوائب : جمع الذؤابة وهي شعر الناصية أي مقدم الرأس ، والشوى : الأطراف وتطلق على جلدة الرأس . واختلطت ذوائب القوم بالشوى أي امتزج الرئيس بالمرءوس والعزيز بالذليل .