تذكّرت بالغورين نجدا ضلالة * ومن أين ذكرى غائر الدّار منجدا ؟ « 1 »
مضى البين عنّا بالحياة وطيبها * فلم يبق بعد البين شئ سوى الرّدى
فقل للّذى ينوى الفراق وعنده * بأنّى مطيق في الفراق التجلّدا
وعدت ببين يسلب العيش طيبه * فما كان ذاك الوعد إلّا توعّدا « 2 »
وما كان عندي أن يفرّق شملنا * ويبعد عن دارى العميد تعمّدا
وما سرّنى أن سرت عنّى وأنّنى * مقيم بأرضى أو تغيب وأشهدا
سيرحمنى من كان بالأمس حاسدي * وما عادل المرحوم فيك المحسّدا
وأبقى وحيدا بعد أن كنت ثانيا * ومن ذا بعيد الأنس يرضى التوحّدا ؟
وما زلت دهرا بالتفرّق قانعا * فما زلت بي حتّى كرهت التفرّدا
هززتك سيفا ما انثنى عن ضريبة * مضاء كما أنّى نقدتك عسجدا « 3 »
وكان الّذى بيني وبينك كله * ودادا وفي كلّ الرّجال تودّدا
فإن لم يكن سنخ يؤلّف بيننا * فقد ألّفت فينا المودّة محتدا « 4 »
ومن قرّبته دار ودّ مصحح * إلىّ فلا كان المقرّب مولدا
وما كنت أخشى أنّنى فيك أبتلى * وتخرج عن كفّىّ منك المهنّدا
وأسقى بك العذب النّمير وينثني * فراقك يسقيني الأجاج المصرّدا « 5 »
ولو « لم ترح عنّى » لما كنت بالّذى * أبالي بناء راح عنّى أو غدا « 6 »
هامش
( 1 ) الغوران : مثنى الغور وهو اسم موضع وأصل الغور ما انهبط من الأرض ، والغائر المنجد :
المترحل .
( 2 ) البين : الفراق ، والتوعد : التهديد بالشر والوعد يكون بالخير ومنه قول الشاعر :وكنت إذا واعدته أو وعدته * أنجّز ميعادي وأخلف موعدي( 3 ) الضريبة : الفريسة المضروبة ، ونقدتك : اختبرتك ، والعسجد : الذهب .
( 4 ) السنخ :
الأصل ، والمحتد مثله .
( 5 ) النمير : المستاغ من الماء عذبا كان أو غير عذب ، والأجاج :
الملح المر ، والمصرد : القليل .
( 6 ) لعل الأصل « لم ترم عنى » أو « لم ترم منى » أي لم تفارقني ولم تبرح ، قال الشاعر :أبانا فلا رمت من عندنا * فإنّا بخير إذا لم ترمأي لم تبرح ( م . ج . ) ، والنائي : البعيد .