وكيف نسيت الذي كان فيك * من العزّ والكرم الأرحب ؟
وكيف خلوت من القاطنين * وغربان بينك لم ينعب ؟
وأين مكامن ذاك الشجاع * ومربضة الأسد الأغلب ؟
وأين مواقف ولدانه * ومزدحم الجند في الموكب ؟
ومجرى سوابقه كالصّقور * جلبن صباحا على مرقب « 1 »
أيمضى وأسيافه ما فتئن * بالضّرب والسّمر لم تخضب ؟ !
ولم تعجل الخيل مذعورة * إلى مرغب وإلى مرهب ؟
ولم يستلب بالرّماح الطّوا * ل في الرّوع واسطة المقنب « 2 »
ولو علم السّيف لّما علا * ك حال كليلا بلا مضرب
وبدّل من ساعد هزّه * لحتفك بالسّاعد الأعضب
تعامه قوم سقوك الحمام * فما فيهم عنك من معرب « 3 »
فلو عن رداك سألناهم * أحال الحضور على الغيّب
ألفت التكرّم حتّى غفل * ت عن جانب الحاسد المجلب
ولم تعتد المنع للطّالبين * فجدت بنفسك للطّلّب
فإن تك يا واحدا في الزّمان * ذهبت ففضلك لم يذهب
وإن حجّبوك بنسج الصّفيح * فغرّ مساعيك لم نحجب « 4 »
سلام عليك وإن كنت ما * سلمت من الزّمن الأخيب
وواها لأيّامك الماضيات * مضىّ السّحابة عن مجدب
فما بنت إلّا كبين الحياة * وشرخ الشّباب عن الأشيب
ولا خير بعدك في الطيّبات * فما العيش بعدك بالطيّب
هامش
( 1 ) جلبن : صحن ، ومنه الجلبة ( بالتحريك ) وهي الصياح والصوت ، والمرقب : الموضع المشرف يكون فيه الرقيب .
( 2 ) المقنب : جماعة الفرسان إلى المئة .
( 3 ) تمامه : تحير ، والمعرب في الكلام : المفصح المبين .
( 4 ) الصفيح : القبر .